يجلس إليه أهل الطائف بعد الفجر وبعد العصر ، فيتكلم بينهم ، كان يحمد الله ويذكر
النبي صلى الله عليه وآله والخلفاء بعده ، ويقول ذهبوا فلم يدعوا أمثالهم ولا أشباههم
ولا من يدانيهم ، ولكن بقي أقوام يطلبون الدنيا بعمل الآخرة ، ويلبسون جلود
الضان ، تحتها قلوب الذئاب والنمور ، ليظن الناس إنهم من الزاهدين في الدنيا ، يراءون
الناس بأعمالهم ، ويسخطون الله بسرائرهم ، فادعوا الله أن يقضى لهذه الأمة بالخير
والاحسان ، فيولي أمرها خيارها وأبرارها ، ويهلك فجارها وأشرارها ، ارفعوا أيديكم
إلى ربكم وسلوه ذلك ، فيفعلون .
فبلغ ذلك ابن الزبير ، فكتب إليه :
أما بعد ، فقد بلغني إنك تجلس بالطائف العصرين فتفتيهم بالجهل ، تعيب أهل
العقل والعلم ، وإن حلمي عليك ، واستدامتي فيئك جرأك على ، فاكفف - لا أبا لغيرك -
من غربك ، وأربع على ظلعك ، واعقل إن كان لك معقول ، وأكرم نفسك فإنك
إن تهنها تجدها على الناس أعظم هوانا ، ألم تسمع قول الشاعر :
فنفسك أكرمها فإنك إن تهن * عليك فلن تلقى لها - الدهر - مكرما .
وإني أقسم بالله لئن لم تنته عما بلغني عنك لتجدن جانبي خشنا ، ولتجدنني إلى
ما يردعك عنى عجلا ، فر رأيك ، فإن أشفى بك شقاؤك على الردى فلا تلم إلا نفسك .
فكتب إليه ابن عباس :
أما بعد ، فقد بلغني كتابك ، قلت : إني أفتى الناس بالجهل ، وإنما يفتى بالجهل
من لم يعرف من العلم شيئا ، وقد آتاني الله من العلم ما لم يؤتك . وذكرت إن حلمك
عنى ، واستدامتك فئ جرأني عليك ، ثم قلت : اكفف من غربك ، وأربع على
هامش
( 1 ) يقال : أربع على ظلعك ، أي افعل بقدر ما تطيق ، ولا تحمل عليها أكثر مما تطيق .