شرح
وتفصيل القول في المقام أن هاهنا صورا :
الأولى : أن يأمره المالك بذلك ، لا اشكال في أنه يجب عليه كما صرحوا به ، لأنه
من مقدمات الحفظ المأمور به ، ويرجع به على المالك ، وذلك لأن حقيقة الوديعة هي
الاستنابة في الحفظ ، فهي وإن كانت بطبعها آبية عن التعويض - وإلا لكانت إجارة
على العمل لا وديعة - موجبة لتنزيل الودعي منزلة المالك في حفظها الذي لا عوض
لمالكها . ولكن ذلك بالنسبة إلى الحفظ نفسه ، وأما ما يتوقف عليه الحفظ من مال أو
عمل فالوديعة بنفسها لا اقتضاء بالنسبة إليه من حيث التعويض ، وعليه فإذا كان
المالك مستوفيا له بالأمر به كان ذلك موجبا للضمان ، فيرجع الودعي إليه . وأما قاعدة
احترام المال التي استدل بها بعضهم في المقام للضمان ، فقد مر أنها بنفسها ليست من
موجبات الضمان ، ولا توجب الرجوع إلى من وصل نفعه إليه .
الثانية : أن ينهاه عن ذلك ، ففي الشرايع وغيرها لم يجز القبول ، بل يجب سقيها
وعلفها .
واستدل له في المسالك وغيرها بأنه حق الله تعالى كما أنه حق المالك ، فلا يسقط
حق الله تعالى باسقاط المالك حقه . وبأن اتلاف المال منهي عنه .
ولكن قد مر أن حفظ الحيوان من التلف لا يكون واجبا على غير المالك ، ولذا
لا يجب التقاط الحيوان إذا خاف عليه التلف ، والحفظ بعد الالتقاط من جهة كونه
أمانة شرعية يجب حفظها من التلف ، كما أن وجوب الحفظ على مالكه إنما هو من جهة
وجوب نفقة المملوك على مالكه لا من حيث حفظ النفس المحترمة ، والمفروض أنه
لا يجب الحفظ من جهة الوديعة لنهي المالك عنه . وأما حرمة اتلاف المال فقد عرفت
أنه مختص بالمالك ، فحرمة الاتلاف غير المستلزم للتصرف في ملك الغير غير ثابتة
والأصل عدمها .