شرح
الغرض نسبة الخديعة منهم إلى الله تعالى وإلى المؤمنين لا منهما إليهم وقوله تعالى :
( ومن يهاجر في سبيل الله ) ( 1 ) ويراؤون ، وناديناه ، ونافقوا ، وشاقوا ، ولا تؤاخذني ، إلى
غير ذلك ، وأن مفاد هيئة المفاعلة غير مفاد هيئة التفاعل ، وأنه لا يتقوم بطرفين ، بل
هيئة المفاعلة وضعت لإفادة أن التعدية إلى الآخر ملحوظة في مقام إفادة النسبة ،
بخلاف هيئة المجرد ، فإن تلك الحيثية ولو كانت داخلة في مفادها ، كما في الفعل المجرد
الثلاثي ، كخدع غير ملحوظة ، فإذا فعل فعلا كان أثره خداع الغير ، صدق عليه أنه
خدعه ، لا أنه خادعه ، إلا إذا تصدى لخديعته فالضرار هو التصدي للإضرار ،
فإن هذه الأمور ليست برهانية بل لا بد فيها من الرجوع إلى أهلها ، وقد صرح أهل
الفن ، بأن الأصل في باب المفاعلة أن يكون فعل الاثنين ، واستعمال تلك الهيئة في غير
ذلك أنما يكون مع القرينة ، كما في الأمثلة المشار إليها .
بل الوجه في إرادة المعنى الأخير في الحديث ، أن فعل الاثنين لا ينطبق على
مورده للتصريح فيه بأن سمرة مضار ، ولم يقع المضارة بين الأنصاري ، وسمرة ، كما أن
إرادة المجازاة لا تنطبق عليه ، مضافا إلى عدم تعاهدها من هذه الهيئة ، والتأكيد المحض
خلاف الظاهر ، والضيق ليس معناه قطعا كما هو واضح . فيتعين ما أفاداه
وهو الذي يظهر بالتتبع في موارد استعماله ، مع القرينة على عدم إرادة فعل
الاثنين ، كقوله تعالى : ( ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ) ( 2 ) فإن قوله : لتعتدوا شاهد
كون الضرار هو التعمد للإضرار بقصد الاعتداء .
وقوله تعالى : ( لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده ) ( 3 ) فإن المراد به
النهي عن إضرار الأم بالولد بترك الإرضاع غيظا على أبيه ، وعن إضرار الأب بولده
بانتزاعه من أمه طلبا للإضرار .
هامش
( 1 ) النساء آية 100 .
( 2 ) البقرة : آية 232 ، 23 .
( 3 ) البقرة : آية 232 ، 23 .