شرح
أما المقام الأول : فقد اضطربت كلمات الفقهاء واللغويين في ذلك ، وكلماتهم ما
بين افراط وتفريط ، فعن بعضهم : إنه مد الصوت ، وعن الشافعي : إنه تحسين الصوت
وترقيقه ، وعن النهاية : إن كل من رفع صوتا ووالاه فصوته عند العرب غناء ، وعن
آخرين غير ذلك مما يقرب من هذه التعاريف .
وحيث إن بعض مصاديق هذه التعاريف ليس من أفراد الغناء قطعا كرفع
الصوت بالأذان الذي هو من المستحبات الشرعية وتحسينه بقراءة القرآن والمدائح
والمراثي ، مضافا إلى السيرة القطعية على جواز ذلك كله ، وقد دلت النصوص على
رجحان بعضها ، فيستكشف من ذلك عدم تمامية هذه التعاريف .
وفي مقابل هذه التعاريف ما اختاره المحقق الإيرواني ره ، وهو : أن المتيقن من
الغناء المحرم هو الكلام الباطل في ذاته وبحسب المدلول والمشتمل على المد والترجيع
والاطراب ، والمراد من بطلان الكلام هو أن يكون معناه معنى لهويا ، فالكلام الباطل
غير المشتمل على الكيفية ذات القيود الثلاثة لا يكون حراما ، كما أن المشتمل على
الكيفية المزبورة لا يكون حراما إلا أن يكون باطلا في معناه .
وفيه : أن لازم هذا الوجه خروج بعض أفراد الغناء الذي لا يتوقف أحد في
كونه غناءا وقد دلت النصوص عليه ، كقراءة القرآن بلحون أهل الفسوق والعصيان .
والمشهور بين الأصحاب على ما نسب إليهم أنه مد الصوت المشتمل على
الترجيع المطرب ، وقد اختلفت كلماتهم في تفسير الطرب ، فعن جماعة : إنه خفة تعتري
الانسان لشدة السرور ، وعن آخرين : إنه خفة تعتري لشدة حزن أو سرور ، وعن
مفتاح الكرامة : إن الاطراب المأخوذ في تعريف الغناء غير الطرب المفسر لخفة لشدة
السرور أو الحزن وأن المراد به مد الصوت وتحسينه ، وخير هذه الأقوال وسطها ، أما
فساد الأول : فلما عن القاموس من التصريح بفساد وهم من خص الطرب بالسرور ،
وأما فساد الأخير : فلما تقدم من أن مجرد مد الصوت وتحسينه ليس غناءا قطعا ، لا سيما