أما ما فعله سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه فقد كان من باب التعزير ، حيث رأى أن الخمرة قد فشت في بعض الجهات ، فشدد العقوبة لزجر الشاربين .
شرح
الاجتماع تأكيد الألفة والمحبة ، إلا أنه ينقلب في كثير من الأحيان إلى ضد مقصودة لأن الخمر يزيل العقل ، وإذا ذهب العقل استولت الشهوة والغضب من غير مدافعة العقل ، وعند استيلائهما تحصل المنازعة والمشاحنة بين المجتمعين ، وربما أدت إلى الضرب والقتل والمشافهة بالفحش ، وذلك يورث أشد العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع الواحد ، والميسر ، يجر صاحبه إلى الفقر والمسكنة حتى يصل به الحال أن يقامر على جسده وأهله ، وولده بعد فقدان ماله ، فيصير من أعدى الأعداء لأولئك الذين كانوا يلاعبونه .
فظهر أن الخمر والميسر سببان عظيمان في إثارة العداوة ، والبغضاء بين الناس ، وتقطيع أوصال المجتمع ، ولا شك أن العداوة والبغضاء تفضي إلى أحوال مذمومة ، من الهرج والمرج والفتن ، وفساد المجتمع الإنساني كله .
النوع الثاني : المفاسد المتعلقة بالدين ، وإليه الإشارة بقوله عز وجل * ( ويَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله وعَنِ الصَّلاةِ ) * وهما روح الدين وعماده .
أما أن الخمر تمنع عن ذكر الله فظاهر ، لأن شرب الخمر يورث الطرب ، واللذة الجسمانية ، والنفس إذا استغرقت في الملذات ، غفلت عن ذكر الله تعالى ، وأعرضت عن طاعته عز وجل .
وأما الميسر ، فلأن استغراق الشخص في اللعب مانع من أن يخطر بباله شيء سواه ، وهي تصد اللاعب عن ذكر الله ، وتصرفه عن الصلاة ، وتنسيه طاعة مولاه .
ولما بين الله تعالى اشتمال شرب الخمر ولعب الميسر على هذه المفاسد الخطيرة في الدنيا والدين . قال تعالى * ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) * هذا اللفظ وإن كان استفهاما في الظاهر ، إلا أن المراد منه هو النهي في الحقيقة ، وإنما حسن هذا المجاز لأنه تعالى ذم هذه الأفعال ، وبين قبحها لعباده ، فلما استفهم بعد ذلك عن تركها ، لم يسع المخاطب إلا الإقرار بالترك . فكأنه قيل له : أتفعله بعد ما قد ظهر من قبحه ؟ فصار قوله تعالى * ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) * جاريا مجرى تنصيص الله تعالى على وجوب الانتهاء ، مقرونا بإقرار المكلف بوجوب الانتهاء ، بدافع من نفسه .
وأعلم أن هذه الآية دالة على تحريم شرب الخمر من وجوه :
أحدها : تصدير الجملة بلفظ « إنما » وذلك لأنها للحصر ، فكأنه تعالى قال : لا