ويكفي هذا الحد ولو تكرر منه الشرب [ 1 ] .
شرح
منه ، وهو أبلغ من لفظ التحريم والترك لأنه يفيد الأمر بأن يكون التارك في جانب بعيد عن الشيء لخطورته وفظاعته ، أي ابتعدوا عنه ، وخذوا حذركم منه فليعتبر أولئك الفسقة الذين يقولون : إن الخمر لم ينزل فيها نهي في القرآن الكريم ، أي لم يصرح القرآن بأنها حرام ، والحق أنه نهى عنها بأبلغ عبارة التحريم ، ثم جعل الله تعالى اجتنابها والبعد عنها يوصل للفلاح ، ويقرب إلى الفوز والسعادة الدنيوية والأخروية ، فقال تعالى * ( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) * وفيه إشارة إلى أن شربها يقرب من الخسران والخيبة ، وفساد الدين والدنيا معا ، وضياع الصحة والعقل والمال .
ولما أمر الله تعالى المؤمنين باجتناب هذه الموبقات الأربع ذكر نوعين من أكبر المفاسد الخطرة في الخمر والميسر ، الأول : ما يتعلق بالدنيا وهو قوله تعالى * ( إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ ، والْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ والْمَيْسِرِ ) * أما في الخمر فلأن الغالب أن من يقبل على شرب الخمر ، إنما يشربها مع أصحابه ويكون قصده من ذلك الشرب ، أن يستأنس برفقائها ، ويسر بمحادثتهم ومكالمتهم ، فكأن غرضه من ذلك
هامش
[ 1 ] أهل البيت ( ع ) : إذا شرب الخمر مرتين وحدّ بعد كل منهما قتل في الثالثة وكذلك الحال في شرب بقية المسكرات فعن أبي الحسن الماضي ( ع ) قال : أصحاب الكبائر كلها إذا أقيم عليهم الحدود مرتين قتلوا في الثالثة . وعن أبي عبد الله ( ع ) قال : قال رسول الله ( ص ) من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد الثالثة فاقتلوه « 11 » . وأما من شرب الخمر مستحلا فان احتمل في حقه الاشتباه كما إذا كان جديد العهد بالإسلام ، أو كان بلده بعيدا عن بلاد المسلمين لم يقتل وذلك لعدم ثبوت ارتداده مع هذا الحال . وتدل على ذلك مضافا إلى هذا معتبرة ابن بكير عن أبي عبد الله ( ع ) قال : شرب رجل الخمر على عهد أبي بكر ، فرفع إلى أبي بكر ، فقال له : أشربت خمرا ؟ قال نعم ، قال ولم وهي محرمة ؟ قال فقال له الرجل : إني أسلمت وحسن إسلامي ، ومنزلي بين ظهراني قوم يشربون الخمر ويستحلَّون ، ولو علمت أنها حرام اجتنبتها ، فالتفت أبو بكر إلى عمر فقال : ما تقول في أمر هذا الرجل ؟ فقال عمر : معضلة وليس لها إلا أبو الحسن - إلى أن قال - فقال ( أمير المؤمنين ( ع ) ) : ابعثوا معه من يدور به على مجالس المهاجرين والأنصار من كان تلا عليه آية التحريم ، فليشهد عليه ، ففعلوا ذلك به فلم يشهد عليه أحد بأنه قرأ عليه آية التحريم ، فخلى سبيله ، فقال له : إن شربت بعدها أقمنا عليك الحد وإن لم يحتمل في حقه ذلك ارتد وتجري عليه أحكام المرتد من القتل ونحوه وكذلك الحال في شرب سائر المسكرات « 12 » .
« 11 » تكملة منهاج الصالحين 1 / 274
« 12 » تكملة منهاج الصالحين - ج 1 - ص 277 - 278