شرح
وجل * ( أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ ) * قال الإمام ابن كثير في تفسيره : وقد تقدم قول ابن عباس ، وابن مسعود ، وأبي الدرداء ، وأبي هريرة ، وعبد الله بن عمرو ، في تحريم ذلك ، وهو الثابت بلا شك عن عبد الله ابن عمر رضي اللَّه عنهما انه يحرمه ، فقد روي أنه سئل عن ذلك فقال : وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين ؟ وروي أن رجلا سأل الإمام مالك بن أنس : ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن قال : ما أنتم إلا قوم عرب هل يكون الحرث إلا موضع الزرع ، لا تعدوا الفرج . قال : يا أبا عبد الله انهم يقولون إنك تقول ذلك ، قال : يكذبون علي ، يكذبون علي « فهذا هو الثابت عنه رحمه الله تعالى :
فقد اتفقت كلمة الأئمة جميعا الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة ، والمالكية : من غير خلاف منهم ، على تحريم هذا الفعل وشناعته ، وعمد جوازه بحال من الأحوال ، في الزوجة والأمة وغيرهما ، وهو قول سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة ، وعكرمة ، وطاوس ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، وعروة بن الزبير ، ومجاهد بن جبر ، والحسن البصري وغيرهم من السلف جميعا أنكروا ذلك الفعل أشد الإنكار ومنهم من يطلق على فعله الكفر ، وهو مذهب جمهور العلماء . ومما يدل على تحريم هذا العمل قول الله تعالى * ( وقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ ) * فان معناه من فعل الطاعات مع امتثال ما أنهاكم عنه من ترك المحرمات التي نهيتكم عنها لذلك قال * ( واتَّقُوا الله واعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوه ) * أي اتقوا اللَّه في إتيان نسائكم ، فلا تأتوهن إلا في موضع الحرث وهو الفرج ، فهو سيحاسبكم على أعمالكم جميعا ومن جملتها هذا العمل المشين ، وقول الله تعالى :
وبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) * أي المطيعين لله تعالى فيما أمرهم ، التاركين ما عنه زجرهم .
فان قيل : قول الله تعالى * ( والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ) * يقتضي إباحة وطء النساء في أدبارهن ، لورود الإباحة مطلقة غير مقيدة بشيء ، ولا مخصوصة بمكان دون آخر .
فالجواب على ذلك : أنه قال الله تعالى * ( فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله ) * ثم قال تعالى * ( فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) * فأبانت هذه الآية الموضع المأمور به شرعا ، وهو موضع الحرث الذي يأتي منه الولد ولم يرد إطلاق الوطء بعد حظره إلا في موضع الولد ، فهو مقصور عليه ، دون غيره ، وهو قاضٍ مع ذلك على قوله تعالى * ( إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ) * كما كان حظر وطء الحائض قاضيا على قوله تعالى :
إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ ) * فكانت هذه الآية مرتبة على ما ذكر من حكم الحائض ، فالآية التي في البقرة تدل على أن إباحة الوطء مقصورة على الجماع الجائز في الفرج دون