شرح
العصمة في هذه الحالة مشكوك في بقائها ، لأن للمرأة أن تطلق نفسها في أي وقت ، ولا يحل الاستمتاع بامرأة مشكوك في بقاء زوجيتها ، ولا نفقة لها زمن الحيلولة لأنها هي السبب ، فإذا ماتا في زمن الحيلولة يتوارثان ، أما التوكيل الذي لم يتعلق به حق لها ، إذا قال لها : وكلتك في طلاق نفسك فإنه لا يمنع قربانها ، فلو استمتع بها بعد التوكيل ، ولو مكرهة كان ذلك الاستمتاع عزلا لها من التوكيل ، حتى ولو كان الزوج قاصدا بقاءها على التوكيل .
ويصح تعليق التخيير والتمليك على أمر من الأمور ، كأن يقول لها : ان جاء والدك اختاري نفسك . أو ان قدم أخوك طلقي نفسك ، فإذا قال ذلك ، لا يجب التفريق بينهما حتى يجيء أبوها ، أو يقدم أخوها .
وكذا يصح تقييد التمليك أو التخيير بزمن ، كأن يقول لها : خيرتك إلى سنة ، أو خيرتك في البقاء معي أو مفارقتي إلى سنة ، أو إلى أي زمن يبلغه عمرها ظاهرا ، فان التخيير يصح ، ولكن بمجرد علم الحاكم بتخييرها أو تمليكها على هذا الوجه يجب عليه أن يطلب منها الجواب بدون مهلة ، فعليها أن تطلق نفسها حالا أو ترد ما بيدها من التمليك ، أو التخيير ، فان قضت فذاك والا أسقط الحاكم تخييرها أو تمليكها ، حتى ولو رضي الزوج بالإمهال ، وذلك لأن فيه حقا للَّه تعالى ، وهو حرمة التمادي على الاستمتاع بالمرأة المشكوك في بقاء عصمتها .
ومن الأحكام المشتركة بين التمليك والتخيير أنه يعمل فيهما بجواب المرأة ، فإذا طلقت نفسها طلاقا صريحا أو كناية ظاهرة عمل بمقتضاهما ، ومثال الصريح أن تقول : طلقت نفسي منك ، أو أنا طالق منك ، أو أنت طالق مني ، ومثال الكناية الظاهرة أن تقول : أنا منك بتة ، أو بائن ، أو حرام ، ويلحق بهما قولها : اخترت نفسي ، أما إذا أجابت بالكناية الخفية فإنه يسقط ما بيدها ، ولا يقبل منها أنها أرادت بذلك الطلاق ، فإذا قالت : أنا منك مطلقة - بفتح اللام مخففة - سقط خيارها ، وانما وقع الطلاق بقولها : اخترت نفسي ، مع كونه ليس من ألفاظ الطلاق الصريح ولا من ألفاظ الكناية الصريحة ، لأنه جعل جوابا للتخيير فيقع به الطلاق ، وقد تقدم في مباحث الكنايات بيانات الكناية الظاهرة والكناية الخفية ، فارجع اليه .
وإذا ردت الطلاق ، كأن قالت : رددت ما ملكتني ، أو لا أقبل منك تخييرك ، عمل بمقتضاه من بطلان ما بيدها وبقائها زوجة ، ومثل ذلك ما إذا ردت التمليك بالفعل وهو يحصل بأن تمكنه من نفسها طائعة ، وان لم يحصل وطء ، فمتى مكنته من نفسها بعد أن علمت بأنه خيرها أو ملكها أمرها فإن حقها يسقط ولو كانت جاهلة بأن تمكينها يسقط حقها ومثل تمكينها ما إذا ملك أمرها لأجنبي ، فمكنه منها طائعا ، بأن خلي بينه وبينها ولم يحل بينهما ، فمتى فعل ذلك سقط حقه في التمليك أو التخيير ، وكذا يسقط حقها إذا حدد لها زمنا ، ومضى ذلك الزمن ولم يوقفها الحاكم - يلزمها بالاختيار - فإذا قال لها : اختاريني أو اختاري نفسك في هذا اليوم أو في هذا الشهر ولم يوقفها الحاكم عند علمه ، ومضى ذلك الزمن المحدد ولم تختر فان حقها يسقط .
والحاصل أنه يشترط لبقاء الخيار أمران : الأول أن لا تمكنه من نفسها باخيارها بعد علمها