شرح
وأما الثاني : فلأن الصاحبين يقولان بوقوع طلاقه إذا وصل للحد الأعلى زجرا له .
نعم ، تظهر فائدته بالنسبة لإقامة الحد على السكران ، فأبو حنيفة يقول : ان السكران لا يحد إلا إذا وصل إلى حالة لا يفرق معها بين السماء والأرض . ولا بين الرجل والمرأة ، وهو الحد الأعلى للسكران ، فإذا نقص عنه كان النقص شبهة تدرأ عنه الحد ، والصاحبان يقولان :
متى هذي في كلامه استحق الحد ، على أن بعض المحققين من الحنفية قال : ان الامام متفق معهما على أن حد السكر الموجب لإيقاع الطلاق هو الهذيان ، فلا خلاف بينهما في ذلك ، بل الخلاف مقصور على حد الشرب ، فلا يحد إلا إذا وصل إلى هذه الحالة عنده دونهما ولكن التحقيق أن السكر بالمعنى الثاني هو المعتبر في كل الأبواب ، سواء كان في باب الايمان ، أو الطهارة أو الحد ، وهو المفتي به . والدليل على ذلك قول الإمام علي كرم الله وجهه : من سكر هذي ، ومن هذي فقد افترى ، ومن افترى استحق جلد ثمانين ، فاعتبر الامام الهذيان سكرا يوجب الحد ، ويعتبر الهذيان كالافتراء ، أو القذف الذي يوجب الحد بالجلد ثمانين . ثم السكر ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
القسم الأول : أن يكون ناشئا من تناول شيء مباح ليس فيه ما يسكر عادة كاللبن الرائب ، وعصير القصب ، والفواكه قبل تخمرها ، فان تناول من ذلك شيئا كثيرا ، أثر على مزاجه فأسكره ، أو تناوله بعد أن تخمر ، وهو لا يدري ، فسكر وطلق فان طلاقه لا يقع اتفاقا .
القسم الثاني : أن يكون السكر ناشئا من تناول شيء يسكر كثيره لا قليله ، وهي الأشربة المتخذة من الحبوب ، والعسل ، والفواكه . وهذه فيها خلاف ، فالإمام وأبو يوسف يقولان : ان من تناول منها وسكر وطلق لا يقع طلاقه ، ومحمد يقول : انه يقع ، وقد تقدم في الجزء الثاني في باب ما يحل شربه أما قول محمد هو الصحيح المفتي به ، فكما أن شربها لا يحل ، وكذلك إذا شربها وسكر وطلق وقع عليه طلاقه .
والقسم الثالث : أن يسكر من الخمر المتفق على تحريم تناوله وهو المتخذ من العنب ، والزبيب والتمر ، إلخ ما تقدم في الجزء الثاني ، فمن شرب من ذلك وطلق ، فان طلاقه يقع باتفاق .
ويلحق بالخمر الحشيش ، والأفيون فمن أخذ منهما شيئا بقصد اللهو والسرور فغاب عقله وطلق وقع عليه الطلاق ، أما إذا أخذ شيئا بقصد التداوي فسكر فطلق فان طلاقه لا يقع .
ومثل ذلك البنج ونحوه من المخدرات كالمورفين والكوكايين - فإن أشار بها طبيب للتداوي فإنها تكون في حكم تناول المباح ، ولا كانت محرمة تحريما باتا .
وإذا شرب خمرا ، أو حشيشا ، أو نبيذا فأصابه صداع فإنه ينظر ان كان الخمر الذي تناوله شديدا يسكر ويستر العقل ويجعل صاحبه يهذي فان طلاقه يقع ، لأن القدر الذي أخذه كاف وحده في ذهاب العقل ، أما إذا كان يسيرا لا يغيب العقل به ، فإنه لا يقع الطلاق لأن الطلاق لم يستند إلى ذهاب العقل بالخمر بل إلى ذهابه بالصداع ، والصداع مرض طبيعي لا يترتب على غياب العقل به وقوع الطلاق ، وان كان سببه محرما ، ألا ترى أنه إذا شرب