شرح
وبالجملة فالمحققون من الحنفية صرحوا بأنه لا يجوز تكفير المسلم إلا إذا لم يمكن تأويل كلامه ، فلو قال كلمة تحتمل الايمان من وجه . والكفر من وجوه تحمل على الايمان حتى قالوا إذا قال كلمة أو عمل عملا يستلزم ظاهرة الكفر ولكن وجدت رواية ضعيفة يحمل بها على الايمان لا يصح المبادرة بتكفيره ، نعم إذا فعل ما لا يمكن حمله على الايمان كأن مزق مصحفا وألقاه على الأرض لغيظ أو غضب من حالة عصبية وهو مؤمن فإنه يؤاخذ به مع اعتقاده بالنسبة لزوجته ، لأن بينونتها منه بذلك حق من حقوقها ، ولا يمكن للقاضي أن يدخل إلى ما في نفسه ، بل لا بد من معاملته بظاهر أمره في حق هذه المرأة ، أما الذي يمكن تأويله فإن فاعله أو قائله يؤمر بالتوبة والاستغفار وتجديد عقد زوجته احتياطا ، فإن أبت فلا تمكن من غرضها ، ولا تجبر على التجديد .
ومن سب دين مسلم فإنه يحمل على أمرين : أحدهما سب نفس الشخص وأخلاقه التي يتخلق بها ، ومن أراد ذلك فإنه لا يكفر . ثانيها : سب نفس الدين وتحقيره ، ومن أراد ذلك فإنه يكفر ، وبذلك لا يمكن الجزم بتكفير من شتم الدين ، فلا يترتب عليه أحكام المرتدين .
ومن سب النبي صلى الله عليه وسلم صريحا ، أو عرض بمقامه الكريم ، أو سب نبيا من الأنبياء ، أو سب جبريل وميكائيل ، فقد اختلف فيه على قولين : أحدهما أن يقتل حدا ولا تقبل توبته ، كما يقول المالكية . ثانيها : أن حكمه حكم المرتد الذي سب خالقه ، فان تاب والا قتل ، وهذا هو المذهب الذي عليه المعول ، وان كان سب الرسول صلى الله عليه وسلم من أشنع الجرائم وأقبحها وأن الذي يقدم عليه وعنده مثقال ذرة من العقل لا يرجى منه خير فاعدامه خير من بقائه .
أما السحر ، فإن تعريفه الذي عرفه به المالكية يجعل الحكم في أمره واضحا ، فإنه ان كان مشتملا على عبارات أو أعمال مكفرة فإن صاحبها يكفر بها بلا كلام والا فإن ترتب عليه ضرر كان حراما يكفر مستحله ، والا فلا شيء فيه ، ولا فرق بين أن تكون الآثار المترتبة عليه حقيقية أو تكون خيالا ، لأن الحكم في هذه الحالة على الأقوال والأفعال الصادرة من المكلف ، وكل ما ذكر في كتب الحنفية خاصا بالسحر لا يخرج عن هذا ، وكذلك ما نقل عن الشافعية ، وقد صرح بعض المحققين من الحنفية أنه ينبغي العمل بمذهب الشافعية في هذا الموضوع ، وهو لا يخرج عن هذا .
المالكية - قالوا : في الجواب عن الأول والثاني : إذا ارتد الزوج فرق بينه وبين زوجته ، أما إذا ارتدت هي فإن قامت القرائن على أن غرضها الاحتيال على الخلاص منه فإنها لا تبين منه ، بل تعامل بنقيض قصدها ، فإذا ارتد الزوج ليخلص من زوجته فإنه يعامل بقصده وتبين منه ، وذلك لأن بيده طلاقها ، فما كان أغناه عن الردة ليخلص منها .
أما الجواب عن الثالث وهو : هل الفرق بالردة فسخ ، أو طلاق ؟ فان فيه أقوالا ثلاثة :
أحدها : أن الردة نفسها طلاق بائن . فمتى ارتد بانت منه امرأته ، كما لو طلقها طلاقا بائنا ، ويجب التفريق بينهما فورا ، وهذا هو المشهور . القول الثاني . أن الردة طلاق رجعي ، وعلى القول الثاني أنه إذا تاب وهي في العدة يراجعها بدون عقد جديد ، أما على القول الأول فلا