شرح
معلوم من الدين بالضرورة كان خروجا عن دين الإسلام ، وذلك كمن أنكر فرضية الصلاة ، أو الصيام ، أو الحج ، أو قال : ان المسيح صلب ، أو هو ابن الله أو اعتقد أن الله يشبه الحوداث ، أو سجد لصنم ، أو أهان مصحفا بإلقائه في قاذورة عمدا ، أو سب دين الإسلام ، أو حلل حراما معلوما من الدين بالضرورة ، كشرب الخمر ، والزنا ، واللواط ، ولعب الميسر ، وأكل أموال الناس بالباطل ، ومن ذلك السرقة ، والغش ، والخيانة ، وتطفيف الكيل والوزن ، والاعتداء على أعراض الناس ودمائهم ، كالقتل ، والقذف ، والى غير ذلك من الأمور التي حرمتها الشريعة الإسلامية تحريما باتا ، فمن فعل شيئا من ذلك وهو مستحل له ، أو قال : انه حلال كان مرتدا عن دين الإسلام ، ومثل ذلك ما إذا أنكر نبوة أحد النبيين الذين ذكرهم القرآن الكريم ، أو أنكر قصة من القصص التي وردت فيه ، أو أنكر أية منه ، فان هذا وأمثاله هو الذي يقال إن فاعله ، أو قائله مرتد .
ولكن مؤلفو الفتاوى قد ذكروا أمورا كثيرة قالوا عنها : أنها مكفرة ، ولكن الواقع غير ذلك لأنها تحتمل التأويل ، وكل ما كان كذلك فلا يكون مكفرا ، ومن ذلك أن يقول الإنسان بخلق القرآن فقد ذكروا أنه يكفر بهذه العبارة ، وهذا غير صحيح ، وذلك لأن هذه العبارة تحتمل أن ألفاظ القرآن التي نقرؤها ونتعبد بها مخلوقة لله ولا يقول عاقل انها قديمة ، وما نقل عن الإمام أحمد كان من باب الأدب والورع ، وتحتمل أيضا ما يقوله المعتزلة من أنه ليس لله صفة زائدة على ذاته يقال لها الكلام ولكن الله خلق الكلام الذي أسمعه موسى ، وخلق القرآن الذي أنزله على محمد ، وقد أقاموا البرهان القوي على ذلك ، ولم يكفرهم أحد بل كثير من أعلام المسلمين قال : ان رأيهم في ذلك صواب ، وتحتمل ما يقوله الكرامية ، من أنها حادثة زائدة على الذات قائمة بذاته ، وهذا لا يلزم منه الكفر إلا إذا اعتقدوا حدوث الذات لقيام الحوادث بها ، أو اعتقدوا أن الله ليس بمتكلم قبل أن يخلق صفة الكلام الحادثة أما إذا اعتقدوا أن الله متكلم بذاته ، ثم إذا أراد شيئا قال كن وقامت بذاته ، ثم ترتب عليها الأثر ، فإنهم لا يكفرون ، فهذا كل ما يحتمله القول بخلق القرآن ، ولا يخفى أنه قابل للتأويل من جميع الجهات .
ومنه ما إذا قال الشخص : أنا مؤمن إن شاء الله ، وهذه لا يصح أن يكفر بها قائلها إلا إذا نطق بها على سبيل الشك بأن كان شاكا في إيمانه ، أما إذا ذكرها تبركا ، أو تفويضا لله في كل الأمور فإنه لا شيء فيها ، نعم ينبغي للشخص أن لا يأتي بهذه الكلمة في الأعمال المطلوبة منه جزما كي يكون في حل من عدم فعلها ويوجب شك طالبها ، ومن ذلك أن يقول الإنسان لشخص لا يمرض : ان الله - لا يفتكره - أو هو منسي من الله ، وهذه الكلمة وان كانت قبيحة ، ولكن صاحبها لا يكفر إلا إذا قصد معناها المتبادر منها ، وهو أنه يجوز على الله النسيان ، أما إذا كان غرضه أن الله لا يحب هذا الرجل الذي لا يمرض فلا يكفر ذنوبه بالمرض فإنه لا يكفر ، وان كان قائلها جاهلا ينبغي لمن سمعه من العارفين أن يعلمه ما يقول .
فهذه أمثلة مما ذكره مؤلفو الفتاوى . فينبغي النظر فيما ذكروه على هذا الوجه .