شرح
الأوثان ، أما أعمالها الفرعية من معاملات ونحوها فقل أن يعرض لها إلا على طريق التهذيب والتأنيب ، انظر مثلا إلى ما كانوا عليه من فساد في مسائل الأنكحة وغيرها ، فلما أراد الله أن يهذبهم شرع لهم بعد إسلامهم ما فيه سعادتهم ، فاقرأ قوله تعالى * ( ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ) * وقوله * ( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأَنْتُمْ سُكارى ) * ، وآية الدين . وأية المواريث . والوصية . والعدة . وإباحة النساء الأربع دون سواها . والصيام . والصلاة . والحج ، فان كل هذا عام بعد الإسلام ، ولم يكن محل نزاع بين المشركين وبين الرسول ، بل كل النزاع كان مقصورا على التوحيد ، فالضلال المذكور في الآية من ضلال الشرك وعدم معرفة الإله ، فهؤلاء الضالون لا يعذبهم الله الا إذا أرسل لهم رسولا بلا نزاع .
وبعد فلم يثبت أن آباء النبي كانوا مشركين ، بل ثبت أنهم كانوا موحدين ، فهم أطهار مقربون ، ولا يجوز أن يقال : أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم كافران على أي حال ، بل هما في أعلى فراديس الجنات .
أما الكلام في حديث مسلم فقد عرفت أن المالكية والأشاعرة ، قد احتجوا بقوله تعالى * ( وما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) * وظواهر اللغة والعرف والسياق تفيد أن الرسول هو الإنسان الذي يوحى إليه من عند الله تعالى ويؤمر بالتبليغ ، فتأويله بالعقل تعسف واضح ، ومتى نطق كتاب الله بأمر يؤيده العقل وجب تأويل الأحاديث التي تخالفه إذا أمكن تأويلها ، والا وجب العمل بما يقتضيه كتاب الله تعالى .
وحديث مسلم هذا يمكن تأويله ، وهو أن المراد بأب النبي صلى الله عليه وسلم أبو لهب ، فان الله تعالى قد أخبر أنه في النار قطعا ، والأب يطلق في اللغة على العم ويؤيد هذا التأويل نص الحديث وهو « أن رجلا قال : يا رسول الله أين أبي ؟ قال : في النار ، فلما قفا دعاه فقال : « أن أبي وأباك في النار » ، فظاهر هذا يفيد أن أحد المسلمين سأل عن مقر أبيه الذي مات مشركا ، ولم يجب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : « انه في النار » فظهر على وجه الرجل طبعا أمارة الحزن والأسف ، فولى آسفا ، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يزيل ما علق بنفس الرجل من أسى ، فاستدعاه ثانيا وقال له : « ان أبي وأباك في النار » ومعنى هذا أنه إذا كان أبوك في النار لأنه لم يؤمن بي ، فلا تجزع لأن أبي أنا ، وأنا رسول الله ، في النار لأنه لم يؤمن بي ، وهو أبو لهب طبعا ، فان الله تعالى قد أخبر نبيه بأنه لم يؤمن ، فهو من أهل النار حتما .
وأظن أن هذا المعنى لا تكلف فيه ولا تعسف ، بل هو الظاهر المعقول لأن كون النبي صلى الله عليه وسلم يخبر بأن أبويه في النار وهما لم يعارضاه في دعوته ولم يرفضا ما جاء به لا فائدة فيه للناس ، إذ لا زجر فيه لأحد ، وانما الذي يصح أن يزجر الناس كون أبي لهب المعارض للدعوة في النار .
والحاصل أن الأحاديث الواردة في مثل هذا المقام يجب أن تحمل على نحو ما ذكرنا ، ومن لم يستطع تأويلها وقف معها موقف المفوض الذي عجز عن التأويل ، وعمل بما يقتضيه ظاهر كتاب الله تعالى المؤيد بالعقل ، والله يهدي إلى سواء السبيل .