شرح
هذا ، وقد ذكرنا هذا الكلام في مذهب المالكية مع أن الحنفية تعرضوا له في مذهبهم ، لأن رأينا في هذا المقام أن أهل الفترة ناجون جميعا ، وأن غيروا وبدلوا ، كما يقول المالكية ، على أن المالكية ليسوا في حاجة إلى إيراد هذا في المقام ، لأنك قد عرفت أن الصحيح عندهم هو أن عقود غير المسلمين تكون صحيحة متى وافقت قواعد الإسلام ، وان كانوا كافرين ، فلا خلاف بينهم وبين غيرهم على الصحيح ، فلنرجع إلى ما كنا فيه .
فان قلت : ماذا يترتب على خلاف المالكية في الحكم بصحة عقود نكاح الكافرين ان وافقت قواعد ديننا ، والحكم بعدم صحتها مع أنهم يقولون : أنهم يقرون على أنكحتهم إذا أسلموا على التفصيل الآتي ؟ والجواب : أن الذين يقولون بفساد أنكحتهم مطلقا ، ولو كانت موافقة لقواعد ديننا يترتب على قولهم أنه لا يجوز لمسلم أن يتولى عقد الكتابيين وغيرهم ، ولو كانت مستوفية للشروط ، مثلا إذا طلب الكتابيان من مسلم أن يعقد لهما بشروط عقود المسلمين وأركانها لا يجوز له أن يفعل لأن الشروط لا تخرجها عن الفساد ، والمسلم لا يجوز له أن يتولى الفاسد ، أما الذين يقولون بالصحة فإنه يترتب على قولهم العكس . فيجوز للمسلم أن يعقد لهم متى كان العقد صحيحا .
ثم أن المالكية يقولون : أن غير المسلمين يقرون على أنكحتهم إذا دخلوا الإسلام ، سواء كانت صحيحة في نظرنا . أو فاسدة إلا في أمور : أحدها نكاح المحارم بنسب ، أو رضاع ، كما إذا تزوج المجوسي بنته . أو أخته ثم أسلم فإنه لا يقر على ذلك بحال ، أما حرمة المصاهرة فإنها لا تحصل بينهم الا بالوطء ، مثلا إذا تزوج امرأة ولم يطأها . ثم تزوج أمها ووطئها وأسلم أقر على أمها ، لأنه وان تزوج بنتها ولكنه لم يطأها ، وكذا إذا تزوج امرأة لم يطأها ، ثم أسلم وتركها . فإنها لا تحرم على أبيه . ولا على ابنه لما عرفت من أن الذي يوجب حرمة المصاهرة بينهم هو الوطء . ثانيها : أن يتزوجها وهي في عدة الغير ثم يسلم .
أو يسلما معا فإنه يفرق بينهما ، سواء دخل بها . أو لم يدخل ، فإذا أسلم قبل انقضاء العدة التي عقد عليها فيها ثم وطئها بعد الإسلام تأبد تحريمها عليه ، فلا تحل له أبدا ، أما إذا أسلم بعد انقضاء العدة ووطئها بعد الإسلام فإن تحريمها لا يتأبد عليه بل يفرق بينهما ، وله أن يجدد عقده عليها بعد انقضاء العدة . ثالثها : أن يتزوجها لأجل ، وهو نكاح المتعة ، ويسلم قبل انقضاء الأجل ، ويطلب هو أو هي استمرار العقد إلى نهاية الأجل ، فإنهما لا يقران على ذلك لأن إقرارهما عليه بعد الإسلام إقرار لنكاح المتعة الممنوع باتفاق ، نعم إذا طلبا الاستمرار على زواجهما بصفة داية فإنهما يقران على ذلك ، فإذا أسلما بعد انقضاء الأجل وهما يعيشان عيشة الزوجية وطلبا إقرارهما ، فإنهما يقران .
وبعد فإن أسلم الزوج وتحته امرأة كتابية فإنه يبقى على زواجه معها ، سواء أسلمت ، أو لا . وسواء كان الزوج صغيرا ، أو كبيرا . وأما أن أسلم وتحته زوجة مجوسية ، فإنه ان كان بالغا فرق بينهما إلا إذا أسلمت بعده بزمن قريب ، وقدر بشهر على المعتمد ، فإن أسلمت بعد هذا الزمن فان إسلامها لا ينفع في بقاء زوجيتها ، فإن أسلمت بعده بزمن أقل من شهر بقيت الزوجية قائمة بينهما وان كان الزوج صغيرا وقف النكاح بينهما حتى يبلغ ، فإن لم تسلم بعد بلوغه فرق بينهما .