تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه على المذاهب الأربعة ومذهب أهل البيت ( ع ) — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
شرح
بوجه آخر ، فقال ان المراد بالعذاب عذاب الاستئصال في الدنيا ، فالله تعالى لا يهلك الأمم في الدنيا الا بعد أن يرسل لهم الرسل فلم يصدقوهم ويضطهدوهم ، وعند ذلك يهلكهم الله في الدنيا ، أما عذاب الآخرة فإنه يقع على من مات مشركا ، ولو لم يرسل الله لهم رسولا . ولكن الواقع أن الآية تدل على عكس ذلك على خط مستقيم ، وإليك البيان : قال تعالى * ( مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِه ومَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) * ، فالله سبحانه قد قصر هداية الشخص وضلاله على نفسه ، وظاهر أن المراد قصر ما يترتب عليهما من نفع وضرر فكل ما يترتب على هداية المرء من منفعة وكل ما يترتب على ضلاله من ضرر مقصور عليه وحده : وإذا كان كذلك فهل يتحقق هذا المعنى في الدنيا فقط . أو في الآخرة فقط . أو فيهما معا ؟ أما أنا فلا أفهم الا أنه يتحقق في الآخرة فقط ، وذلك لأن منافع هداية الناس واستقامتهم ليست مقصورة عليهم وحدهم في الدنيا ، بل تتعداهم إلى أبنائهم وأهليهم وعشيرتهم ، بل وتتعداهم إلى المجتمع ، وهذا واضح وكذلك مضار الضلال ليست مقصورة على الضالين فقط . فكم صرع المضلون غيرهم وأوردوهم موارد الهلال والفناء . وشر الضلال في تربية الأبناء والأهل ، وآثاره ظاهرة في المجتمع وكذلك إذا قصرنا المنافع على ما يسوقه الله تعالى من خير وشر ، فان الخير الذي يجيء بسبب الصالحين ولا يقتصر عليهم بل يعم غيرهم ، والسنة الصحيحة مملوءة بهذا ، والشر الذي ينزل بسبب الضالين لا يقتصر عليهم ، ولهذا قال تعالى * ( اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) * . وحينئذ لا يفهم من الآية إلا أن المراد بالمنافع الثواب الأخروي وبالمضار العذاب الأخروي ولذا قال تعالى * ( ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) * ( الاسراء ، 15 ) بيانا لمعنى القصر المذكور ، فهو سبحانه يقول : كل واحد ينال جزاء عمله من خير أو شر ، قال تعالى * ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ) * ، فلا يعطي أحد ثواب عمل الآخر ، ولا يحمل أحد عقاب وزر صاحبه ، وكل هذا في الآخرة بدون نزاع ، أما في الدنيا فان صلاحها من أجل الصالحين يفيد غيرهم من الفاسقين والكافرين ، وفسادها بالخراب يؤذي أهلها ، سواء كانوا صالحين أو فاسدين . وبعد أن قرر الله ذلك أراد أن يظهر منته على عباده ، فقال اللَّه عز وجل * ( وما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) * ، فلا يؤاخذ الله الناس بضلالهم ، ولا يعذبهم في الآخرة على عقائدهم وأقوالهم وأعمالهم التي لا يرضاها الا بعد أن يرسل رسلا * ( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) * ، فان لهم أن يقولوا : اننا لا نعلم أن هذه العقائد . أو هذه الأقوال والأعمال لا ترضيك ، فتكون لهم المعذرة ، ولا يكون لله عليهم الحجة البالغة . ولا يمكن أيضا قصر رفع العذاب عنهم على الأقوال والأعمال بحيث لا يعذبون عليها هي ، أما معرفة الله تعالى وتوحيده فإنهم يعذبون عليها وذلك لأن هذا لا دليل عليه مطلقا ، بل الدليل قائم على خلافه ، وهو كلمة الضلال ، فان الله دائما يصف المشركين بالضالين من أجل الشرك وعبادة