شرح
قد أرسل الرسل من بدء الخلق إلى أن استقرت وختمت بالشريعة الإسلامية التي لا تقبل الزوال ، بل جعل الله في طبيعتها ما يجعلها تنمو وتزداد كلما تجدد الزمان ، وليس من المعقول أن نقول : ان الله أرسل الرسل لتبليغ الشرائع الفرعية وتبليغ أحوال الآخرة فحسب ، أما معرفة الله الواحدة المنزه عن كل ما لا يليق به فواجبة على الناس بطبيعتهم . فعليهم أن يعرفوا ذلك من غير الرسل والا كانوا معذبين ، لأن هذا القول ينقضه الواقع القطعي ، فإن أول شيء اهتم به الرسل هو توحيد الإله ، بل كان كل همهم منحصرا في توحيد الإله ، ولولا ما أودعه الله في الرسل من أسرار وقوى مؤثرة فوق طبائع البشر ، لما وجد على ظهر الأرض موحد ، اللهم الا شواذ العالم في الذكاء النادر والفطنة الباهرة ، أمثال زيد بن عمرو بن نفيل . وقس بن ساعدة ، وكبار فلاسفة العالم الذين لا يتجاوزون أصابع اليد فهل يعقل أن الله العليم بطبائع عباده يلزمهم بالتوحيد بدون إرسال رسل ؟ ان ذلك يكون قصرا لنعيمه على أفراد قلائل من خلقه ، وتعذيب الباقين ، وأين هذا من كرم الله ورحمته بعباده ؟ أين هذا من قوله * ( وما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) * وقوله * ( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) * أي دليل يخصص الآية الثانية بغير توحيد الإله ؟ ! فإن الله سبحانه جعل للناس الحجة عند عدم إرسال الرسل ، سواء كان ذلك في العقائد أو في غيرها ، ومن الغريب أن مقاومة الرسل ما كانت إلا في توحيد الإله ، فإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد ، ولوط ، وهود ، وصالح ، وشعيب وغيرهم لم يضطهدهم قومهم الا من أجل معرفة الإله وتوحيده ، ولم يظهر جهادهم إلا في توحيد الإله ومعرفته ، ونظرة واحدة إلى كتاب الله تبين مقدار عنايته بمحاربة الوثنية ، فقد ملئ بالأدلة الكونية وضرب الأمثال المحسة والحجج القطعية وجود الإله ووحدانيته ، ومع ذلك فقد كانوا من أشد الناس عنادا وإصرارا ، وغفلة عن الإله ووحدانيته ، فهل مثل هؤلاء كانت عقولهم كافية في معرفة الإله ؟
ولم توجد أمة من الأمم في زمن من الأزمنة على غير هذا المنوال ، فنظرية أن العقل كاف في معرفة الإله بدون رسل تتصادم مع طبيعة المخلوقات بدون استثناء اللهم إلا إذا قلنا : ان الله خلق الناس أجمعين ليعذبهم ويقصر نعمته على أفراد قلائل لا تتجاوز الأصابع عدا ، كلا أن الله أرحم من أن يعذب عباده من غير أن يبين لهم طريق الهداية والرشاد .
فالحق أن أهل الفترة ناجون وان غيروا وعبدوا الأصنام ، كما يقول الأشاعرة والمالكية وبعض محققي الحنفية ، كالكمال بن الهمام ، والماتريدية قد اختلفوا أيضا ، فمنهم من قال :
أنهم ناجون ، ومنهم من اشتراط لنجاتهم أن يمضي زمن يمكنهم النظر فيه ، وأن لا يموتوا وهم مشركون بعد النظر ، ولما كان الماتريدية ، والحنفية شيء واحد ، فقد أول بعضهم ما ذهب اليه بعض الماتريدية من نجاتهم بأنه محمول على ما إذا لم يموتوا وهم مشركون ، ولا أدرى لهذا الحمل معنى ، لأن المفروض أنهم ناجون بعد موتهم مشركين ، أما إذا ماتوا موحدين فلا خلاف فيه لأحد فالذي قال من الماتريدية : انهم ناجون لا يريد به إلا نجاتهم بعد موتهم مشركين ، ولا كان هازلا ، لأن من قال : لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة ، وان قضى طول عمره مشركا باتفاق المسلمين .
هذا وقد أول بعض علماء الحنفية قوله تعالى * ( وما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا