شرح
فان قلت : ان هذا يستلزم أن لا يفارق الزوج زوجته بالطلاق أيضا ، والجواب : أن الطلاق قد شرع في الإسلام لأغراض اجتماعية هامة ضرورية ، وقد يكون واجبا كما إذا قام بين الزوجين شقاق تقطعت به علائق الزوجية وحلت محلها الكراهة والنفرة ولم يتمكن المصلحون من إزالتها ، فان الدواء لمثل هذه الحالة الطلاق ، وإلا انقلبت الزوجية إلى عكس الغرض المطلوب ، فإنها ما شرعت الا للجمع بين صديقين تنشأ بينهما مودة ورحمة لا للجمع بين عدوين لا يستطيع أحدهما أن ينظر إلى الآخر ، وسيأتي بيان حكمة مشروعية الطلاق في بابه مفصلة .
ومن هذا يتضح أن الشارع لم يجعل الفرقة بين الزوجين مبنية على العيب . أو المرض ، لأنهما يوجبان الشفقة والرحمة لا الفرقة والقسوة ، وجعلت للرجل حق الطلاق ليستعمله عند الضرورة ، فإذا أساء استعماله كان آثما يستحق عقاب الله في الدنيا والآخرة ، فالفرق بين الحالتين واضح لا يخفى .
المالكية - قالوا : العيوب التي يفسخ بها النكاح ثلاثة عشر عيبا ، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام :
القسم الأول : عيوب مشتركة بين الزوجين بمعنى أنها قد توجد في الرجل . وقد توجد في المرأة . وقد توجد فيهما معا ، وهي أربعة : الجنون ، والجذام ، والبرص ، والخراءة عند الوطء ، وتسمى - عذيطة - بفتح العين وسكون الذال ، فمتى وجد عيب من هذه العيوب في أحد الزوجين كان للآخر أن يطلب مفارقته بفسخ النكاح ، ولو كان معيبا مثله ، لأن الإنسان يكره من غيره ما لا يكره من نفسه ، فأما الجنون فإنه يثبت به الخيار للرجل والمرأة لأنه مشترك كما ذكرنا ، وله ثلاث صور :
الصورة الأولى : أن يحدث قبل العقد . الثانية أن يحدث بعد العقد وقبل الدخول .
الثالثة : أن يحدث بعد الدخول ، فان حدث قبل العقد في الزوجة ولم يعلم به الزوج . أو العكس ، فلكل من الزوجين أن يرد به الآخر قبل الدخول وبعده ، بشرط أن يقع من صاحبه ضرر كضرب أو إفساد مال ، أما إذا كان يتخبط ويفيق ، كالمصروع ، فإنه لا يرد به ، وان حدث الجنون بعد العقد ، فإن كان الجنون قد عرض للزوج . فان الخيار يثبت للزوجة ، فلها الحق في فسخ النكاح أما ان كان قد عرض للزوجة فلا يثبت به الخيار للزوج ، سواء كان ذلك قبل الدخول أو بعده ، وهذا هو المعتمد ، ولعل وجهه أن المرأة مستضعفة بطبيعتها وأنها رهينة المنزل ، فيمكن اتقاء الضرر الذي يترتب على جنونها ، ويمكن الاستمتاع بها وهي على هذه الحالة بخلاف الزوج ، على أن الزوج بيده عقد النكاح فيمكنه أن يطلق عند عدم تمكنه من دفع ضررها ، وبعضهم يقول : أنه لا فرق في ذلك بين الزوج والزوجة ، فالجنون العارض بعد العقد يجعل الخيار لكل من الزوجين قبل الدخول وبعده ، وبعضهم يقول : أن حدث قبل الدخول كان للمرأة الرد دون الرجل ، وان حصل بعد الدخول ليس لها الرد كالرجل ، وقيل : لا يرد بالجنون الحاصل بعد العقد مطلقا سواء عرض للرجل أو للمرأة فالأقوال أربعة ، والمعتمد منها الأول ، كما عرفت .
وأما الجذام فإنه يثبت به الخيار للزوجة ، سواء وجد في الرجل قبل العقد . أو بعده ،