شرح
تجعل هذه المنفعة صداقا ، فكل عمل يستأجر عليه من تعليم قرآن . وفقه . ونحوهما ، وتعليم صناعة ، كنسج . وخياطة ، أو يتزوجها على أن يخيط لها ثوبا أو يبني لها دارا ، أو يقوم لها بالخدمة ، ولو حرا ، فإنه يصح أن يكون صداقا ، كما يصح أن يكون ثمنا .
وقد أورد على قولهم : كل ما صح ثمنا ، صح صداقا ، أنه لو تزوج عبد امرأة حرة على أن يكون مملوكا لها ، فإنه لا يصح ، بل يبطل النكاح ، لأن كونه مملوكا ينافي كونه زوجا لها ، إذ لا يجوز أن يتزوج العبد سيدته ، ولكن العبد يصح أن يكون ثمنا لشيء آخر ، فقولهم : كل ما يصح ثمنا ، يصح مهرا لا يطرد ، وأيضا لو جامع شخص أمة بشبهة ، وجاءت منه بولد ، ثم اشتراها وكبر ولده ، فأراد أن يجعلها مهرا لابنه في عقد زواجه ، فإنه لا يصح ، لأن معنى ذلك أنها تدخل في الولد أولا حتى يصح كونها صداقا ، ومتى ملكها عتقت عليه ، وبذلك تكون حرة فلا تصلح أن تكون صداقا ، وهي تصح أن تكون ثمنا لشيء آخر .
وذكر بعضهم مثالا آخر ، وهو ما إذا كان معه ثوب واحد يتوقف عليه ستر عورته ، فإنه لا يصح جعله صداقا ، وان صح جعله ثمنا ، ولكن هذا المثال ليس بشيء . لأنه متى توقف عليه ستر العورة ، فإنه لا يصح جعله صداقا وثمنا ، وهو ظاهر ، والجواب عن هذا أن المراد بقولهم : كل ما صح ثمنا صح صداقا في الجملة بحيث إذا لم يمنع آخر ، كما في الأمثلة المذكورة ، فإن الذي منع كونها صداقا ما عرض لها من الحرية ومنافاة كون العبد زوجا لسيدته .
الحنابلة - قالوا : يصح المهر بالمنافع كما يصح بالأعيان ، فلو تزوجها على أن يرعى لها غنمها . أو يزرع لها أرضها . أو نحو ذلك ، فإنه يصح بشرط أن تكون المنفعة معلومة ، فإن كانت مجهولة فان التسمية لا تصح ، ويلزم بمهر المثل ، ويصح للحر أن يتزوج امرأة على أن يخدمها مدة معلومة . أو على أن يأتي لها بخادم حر يخدمها مدة معلومة . والعبد من باب أولى ، وكذلك يصح أن يتزوجها على عمل معلوم ، كخياطة ثوب معين ، سواء خاطه هو ، أو غيره ، فان تلف الثوب قبل خياطته كان عليه نصف قيمة أجرته ، وان طلقها قبل الدخول . وقبل خياطته كان عليه نصف خياطته إن أمكن والا فعليه نصف الأجرة ، وكذلك يصح أن يتزوجها على تعليم أبواب من الفقه أو الحديث ، أو على تعليم شيء مباح من الأدب . والشعر ، أو تعليم صنعة . أو كتابة أو غير ذلك مما يجوز أخذ الأجرة عليه فإنه يصح ، ويلزم به أن تعذر عليه تعليمها ، بحيث يدفع أجرة من يعلمها ، فان طلقها قبل الدخول . وقبل تعليمها ، فإنه يلزم أجرة تعليمها ، وأن كان بعد تعليمها رجع عليها بنصف الأجرة ، ان كانت الفرقة من قبله ، أما أن كانت بسببها ، فإنه يرجع عليها بكل الأجرة .
هذا ، ولا يصح أن يكون تعليم القرآن صداقا « فإذا قال لها : تزوجتك على أن أعلمك القرآن . أو بعضه ، فإن التسمية لا تصح ، ويلزم بمهر المثل ، وما ورد في حديث الواهبة نفسها ، من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : « زوجتك إياها بما معك من القرآن » ، فان معناه بسبب كونك من أهل القرآن ، فلم يكن مهرا ، ولم يشر في الحديث إلى التعليم .
ويحتمل أن يكون ذلك خاصا بهذا الرجل ، ويؤيد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم