شرح
وبعد ما انتهينا في الكتابة إلى هنا وقفنا على كلام لبعض الأعاظم من علمائنا المتقدمين وهو المحقق محمد بن إدريس الحلي من أهل القرن الخامس وجدناه يتفق مع كثير مما قدمناه فأحببنا نقله هنا ليتأكد البيان وتتجلى الحجة قال في كتابه السرائر الذي هو من جلائل كتب الفقه والحديث ما نصه : النكاح المؤجل مباح في شريعة الإسلام مأذون فيه مشروع في الكتاب والسنة المتواترة بإجماع المسلمين إلا أن بعضهم ادّعى نسخه فيحتاج في دعواه إلى تصحيحها ودون ذلك خرط القتاد وأيضا فقد ثبت بالأدلة الصحيحة أن كل منفعة لا ضرر فيها في عاجل ولا في آجل مباحة بضرورة العقل وهذه صفة نكاح المتعة فيجب إباحته بأصل العقل فإن قيل : من أين لكم نفي المضرة عن هذا النكاح في الآجل والخلاف في ذلك ؟ قلنا : من ادعى ضررا في الأجل فعليه الدليل . وأيضا فقد قلنا إنه لا خلاف في إباحتها من حيث إنه قد ثبت بإجماع المسلمين أنه لا خلاف في إباحة هذا النكاح في عهد النبي ( ص ) بغير شبهة ثم ادعى تحريمها من بعده ونسخها ولم يثبت النسخ وقد ثبتت الإباحة بالإجماع فعلى من ادعى الحظر والنسخ الدلالة فإن ذكروا الأخبار التي رووها في أن النبي ( ص ) حرّمها ونهى عنها فالجواب عن ذلك أن جميع ما يروونه من هذه الأخبار - إذا سلمت من المطاعن والضعف - أخبار آحاد وقد بينت أنها لا توجب علما ولا عملا في الشريعة ولا يرجع بمثلها عما علم وقطع عليه وأيضا قوله تعالى بعد ذكر المحرمات من النساء * ( وأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِه مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ولا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِه مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ) * ولفظة استمتعتم لا تعدو وجهين : إما أن يراد بها الانتفاع أو الالتذاذ الذي هو أصل موضوع اللفظة أو العقد المؤجل المخصوص الذي اقتضاه عرف الشرع ولا يجوز أن يكون المراد هو الوجه الأول لأمرين أحدهما أنه لا خلاف بين محصلي من تكلم في أصول الفقه في أن لفظ القرآن إذا ورد وهو محتمل الأمرين : وضع اللغة وعرف الشريعة فإنه يجب حمله على عرف الشريعة ولهذا حملوا كلهم لفظ الصلاة والزكاة والصيام والحج على العرف الشرعي دون الوضع اللغوي وأيضا فقد سبق إلى القول بإباحة ذلك جماعة معروفة الأقوال من الصحابة والتابعين كأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع ) وابن عباس ومناظرته لابن الزبير معروفة رواها الناس كلهم ونظم الشعراء فيها الأشعار فقال بعضهم :أقول للشيخ لما طال مجلسه
يا شيخ هل لك في فتوى ابن عباسوعبد الله بن مسعود ومجاهد وعطاء وجابر بن عبد الله الأنصاري وسلمة بن الأكوع وأبي سعيد الخدري والمغيرة بن أبي شعبة وسعيد بن جبير وابن جريج وأنهم كانوا يفتون بها . فادعاء الخصم بالاتفاق على خطر النكاح المؤجل باطل - انتهى كلامه وكل ذي بصيرة يعرف ما فيه من المتانة والرصانة وقوة الحجة والمعارضة .
وهذا كله في البحث عن المسألة من وجهتها الدينية والتاريخية والنظر إليها من حيث الدليل حسب القواعد الأصلية والطرق الشرعية .
وأما النظر فيها من الوجهة الأخلاقية والاجتماعية فأقول أليس دين الإسلام هو الصوت