شرح
يعلم أن حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة والله سبحانه يقول في حق نبيّه الكريم * ( ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأَقاوِيلِ لأَخَذْنا مِنْه بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْه الْوَتِينَ فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْه حاجِزِينَ ) * . فلا بد من أن يكون مراده المنع الزمني والتحريم المدني لا الديني ولكن بعض معاصريه ومن بعده من المحدثين البسطاء لما غفلوا عن تلك النكتة الدقيقة واستكبروا من ذلك الزعيم العظيم القائم على حراسة الدين أن يحرم ما أحل الله ويجترئ على حرمات الله اضطروا إلى استخراج مصحح فلم يجدوا الا دعوى النسخ من النبي بعد الإباحة فارتكبوا ذلك الارتباك واضطربت كلماتهم ذلك الاضطراب ولو أنهم صححوا عمل الخليفة بما ذكرناه لأغناهم عن ذلك التكلف والارتباك .
ويشهد لما ذكرناه ما سبق من رواية مسلم عن جابر : كنا نتمتع بالقبضة من التمر والدقيق على عهد رسول الله ( ص ) وأبي بكر حتى نهى عمر في شأن عمرو بن حريث وأما الحديث [ فإنه ] يدل دلالة واضحة [ على ] أن عمر نهى عن المتعة من أجل قضية في واقعة استنكر الخليفة منها فرأى من الصالح للأمة النهي عنها وإن كنا لم نعثر على شيء من شأن القضية ولكن أبا حفص كان معلوما حاله من الشدة والتنمر والغلظة والخشونة في عامة أموره فربما يكون قد استنكر شيئا في واقعة خاصة أوجب تأثره وتهيجه الشديد الذي بعثه على المنع المطلق خوف وقوع أمثاله اجتهادا منه ورأيا تمكن في ذهنه وإلا فأمر المتعة وحليتها - بعد نص القرآن وعمل النبي والصحابة طول زمن النبي ومدة خلافة أبي بكر ( رض ) وبرهة من خلافة عمر ( رض ) أوضح من أن يحتاج إلى شيء من تلك المباحث الهنابث وتلك المداولات العريضة الطويلة كيف والذي يظهر من فلي نواصي التأريخ والاستطلاع من ثنايا القضايا أن عقد المتعة كان مستعملا في زمن الرسالة حتى عند أشراف الصحابة ورجالات قريش ونتجت منه الذراري والأولاد الأمجاد فهذا الراغب الأصفهاني من عظماء علماء السنّة يحدثنا وهو الثقة الثبت في كتابه السابق الذكر ما نصه : « إن عبد الله بن الزبير عيّر ابن عباس بتحليله المتعة فقال له ابن عباس : سل أمك كيف سطعت المجامر بينها وبين أبيك فسألها فقالت والله ما ولدتك الا وأنت تعلم من هي أم عبد الله بن الزبير » هي أسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر الصديق أخت عائشة أم المؤمنين وزوجها الزبير من حواري رسول الله وقد تزوجها بالمتعة فما تقول بعد هذا أيها المكابر المجادل ؟
ثم إن الراغب ذكر عقيب هذه الحكاية رواية أخرى فقال : سأل يحيى بن أكثم شيخا من أهل البصرة فقال له بمن اقتديت في جواز المتعة ؟ فقال بعمر بن الخطاب ( رض ) فقال له :
كيف وعمر كان من أشدّ الناس فيها ؟ قال نعم صح الحديث عنه أنه صعد المنبر فقال : يا أيها الناس متعتان أحلهما الله ورسوله لكم وأنا أحرمهما وأعاقب عليهما فقبلنا شهادته ولم نقبل تحريمه وقريب منها ما ينقل عن عبد الله بن عمر ولكن في عبارة شيخ أهل البصرة من الشطح والتجاوز ما لا يرتضيه كل مسلم والعبارة الشائعة عن أبي حفص ( رض ) أخف وألطف من ذلك وهي قوله متعتان كانتا على عهد رسول الله ( ص ) وأنا أحرمها وإذا كان مراده ما أوعزنا اليه وكشفنا حجابه وحللنا عقدته هان الأمر وخفت الوطأة .