شرح
المسلمين لأن ذلك فتح لباب الفتنة ، فقد ترغمه على التخلق بأخلاقها التي يأباها الإسلام ويعرض ابنه للتدين بدين غير دينه ، ويزج بنفسه فيما لا قبل له به من ضياع سلطته التي يحفظ بها عرضها ، وغير ذلك من المفاسد فالعقد وأن كان يصح الا أن الاقدام عليه مكروه تحريما لما يترتب عليه من المفاسد ، أما إذا كانت ذمية ويمكن اخضاعها للقوانين الإسلامية ، فإنه يكره نكاحها تنزيها .
المالكية - لهم رأيان في ذلك ، أحدهما : أن نكاح الكتابية مكروه مطلقا ، سواء كانت ذمية ، أو حربية . ولكن الكراهة في دار الحرب أشد . ثانيهما : أنه لا يكره مطلقا عملا بظاهر الآية لأنها قد أباحته مطلقا ، وقد عللوا كراهتها في دار الإسلام بأن الكتابية لا يحرم عليها شرب الخمر ولا أكل الخنزير ، ولا الذهاب إلى الكنيسة ، وليس له من ذلك ، وهي تغذي الأولاد به فيشبون على مخالفة الدين ، أما في دار الحرب فالأمر أشد كما بينا عند الحنفية .
وقد يقال : ان هذه المحظورات محرمة . ومذهب مالك مبني على سد الذرائع ، فإذا ترتبت على نكاح الكتابية هذه المفاسد ، أو خيف منها كان الاقدام على العقد محرما .
وقد يجاب بأن محل هذا عند عدم وجود النص ، أما وقد أباح الله نكاح الكتابية ، فلا بد أن تكون المصلحة في إباحتها ، إذ قد يترتب على مصاهرة الكتابي مصلحة للدين وإعزاز له أو دفع للمشاكل ، والقضاء على الأحقاد والضغائن ، فضلا عما في ذلك من إعلان سماحة الدين وتساهله مع المخالفين في العقيدة من أهل الكتاب ، فان الدين يبيح للرجل أن يقترن بالكتابية وهي على دينها لا يضمر عداء لهؤلاء المخالفين ، ولا يبطن لهم حقدا وانما لم يبح للمرأة أن تتزوج الكتابي لأن المرأة مهما قيل في شأنها لا يمكنها أن تقف في سبيل زوجها غالبا ، فتكون مهددة بتغيير دينها ، وأولادها لا محالة أن يتبعوا أباهم وهي لا تستطيع ردهم ، والإسلام وان تسامح فيما يجدد الروابط فإنه لا يمكنه التسامح فيما يخرج المسلم من دينه ، أو يجعل ذريته من غير مسلمين ، فهو قد أباح الكتابية للمسلم ونهاه عن إكراهها على الخروج من دينها ، أما الأديان الأخرى فليس فيها هذا الضمان ولما كان الرجل قويا في الغالب جعل أمر ضمانه هو وأولاده موكولا لقوة إرادته ، وحال بين المرأة ضعيفة الإرادة وبين تزوجها من الرجل الكتابي .
الشافعية - قالوا : يكره تزوج الكتابية إذا كانت في دار الإسلام ، وتشتد الكراهة إذا كانت في دار الحرب كما هو رأى بعض المالكية ، ولكنهم اشترطوا للكراهة شروطا :
الأول : أن لا يرجو إسلام الكتابية : ثانيا : أن يجد مسلمة تصلح له . ثالثها : أنه إذا لم يتزوج الكتابية يخش الزنا ، فإن كان لا يرجو إسلامها فيسن له تزوجها ، وان لم يجد مسلمة تصلح له فكذلك يسر له التزوج بالكتابية التي تصلح له ليعيش معها عيشة مرضية ، وإذا لم يتزوج الكتابية يخش عليه الزنا يسن له دفعا لهذا .
ومن هذا يتضح أن المسألة دائرة وراء المصلحة والمفسدة ، فإذا ترتب على زواجها مصلحة كان الزواج ممدوحا ، وإذا ترتب عليه مفسدة كان مكروها .