شرح
والدليل على ذلك أنه لو ألقى مالا في الطريق ليكون ملكا لمن يرفعه فإنه يصح ويكون هبة .
وقد عرفت أنه لا يشترط أن يكون الإيجاب والقبول لفظا ، فلو قال شخص لولديه وهبت هذه الدابة لأحدكما فأيكما أخذها تكون له فأخذها أحدهما صحت الهبة . وتنعقد الهبة بالتعاطي ، فإذا كان معروفا بين اثنين أن أحدهما قد وهب دابته للآخر فأعطاها المالك فأخذها بدون أن يتلفظا بالإيجاب والقبول فإنه يصح .
الحنفية - قالوا : شروط الهبة أنواع :
نوع يتعلق بالركن المذكور ، ونوع بالموهوب وهو المال ونوع يتعلق بالواهب .
فأما الذي يتعلق بالركن فهو أن لا يكون معلقا على شيء غير محقق الوقوع كقوله :
وهبت لك هذه الدار متى حضر أخوك من السفر ، أو إن أمطرت السماء أهب لك هذه الدابة أو نحو ذلك لأن الحضور من السفر ونزول المطر أمر محتمل . وأن لا يكون مضافا إلى وقت بأن يقول وهبت لك هذا الشيء غدا أو أول الشهر أو نحو ذلك .
ومن ذلك ما إذا قال له : داري لك رقبى ( بضم الراء وسكون القاف ) ، ومعناه إن مت أنا فهي لك وإن مت أنت فهي لي ، فهي معلقة بموت صاحبها وهو يحتمل أن يموت قبل الموهوب له وبعده ، فهي معلقة على أمر غير محقق ، فلذا كانت غير صحيحة ، وإذا كانت هبة غير صحيحة فتكون عارية ، وسميت رقبى لأن كلا منهما يرقب موت صاحبه ، وقيل تكون هبة ويلغو الشرط ، أما الألفاظ التي تنعقد بها الهبة فهي كل لفظ يدل على تمليك الرقبة كقوله : وهبت لك هذه الدار أو نحلت بمعنى أعطيت أو أعطيت أو أطعمتك هذه الغلة ، ومثل ذلك ما إذا أضاف إلى جزء يعبر عنه الكل كقوله وهبت لك رقبة هذه الدابة أما إذا أتى بلفظ يدل على تمليك المنفعة كانت عارية كقوله أعرتك هذه الدار أو أطعمتك هذه الأرض لأن الأرض لا تطعم وإنما تطعم الغلة فتدل هذه العبارة على إعارة الأرض لا على تمليكها وإذا أتى بلفظ يحتمل الأمرين ينظر إلى نية القائل مثل أن يقول حملتك على هذه الدابة أو أعمرتك هذه الدار أي جعلتها لك طول عمرك فإن المحل يحتمل أن يراد به إعارتها مؤقتا ويحتمل أن يكون دائما .
وأما قوله جعلتها لك طول عمرك أو عمري فإنه يحتمل أن يريد جعل له منفعتها أو جعل له رقبتها . فإذا دفعها إليه ونوى الهبة تكون هبة وإلا كانت عارية .
وإذا قال له ملكتك هذه الدار أو هذا الثوب فإنه لا يكون هبة إلا إذا قامت قرينة على الهبة لأن التمليك يصدق على البيع والهبة والوصية ، وبعضهم يقول إنها هبة .
وإذا قال : جعلت هذا البستان باسم ابني ، ولم يقل جعلته له ، فقيل يكون هبة وقيل لا يكون والظاهر أنه يكون هبة لأن العرف جار على ذلك .
بل لو قال غرسته باسم ابني فلان ولم يقل جعلته يكون هبة لأن العرف على انعقاد الهبة بمثل ذلك .