شرح
جزءا بما نقله أو يعطي نساجا صوفا مغزولا لينسج منه جبة ويأخذ باقية في نظير أجره أو يعطي طحانا أردبا من الحنطة ليطحنه ويأخذ منه كيلة في نظير أجرة فإن كل ذلك ممنوع لأن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم نهى عن ذلك لأن القدرة على تسليم الأجر شرط في صحة الإجارة وفي هذه الحالة لا يمكنه أن يسلم الأجر لأنه ناطه بالشيء المعمول فالطحان مثلا لا يمكنه أن يأخذ أجرة إلا من الدقيق الذي ينتج من القمح المطحون وهو لم يوجد بعد فإذا وقعت مثل هذه الإجارة وجب فيها أجر المثل بشرط أن لا تزيد على المسمى بينهما .
والحيلة في جواز مثل ذلك أن يفرز الأجر أولا ويسلمه للمستأجر كأن يخرج الصوف أو القمح الذي يريد أن يدفعه أجرا ثم يسلمه للمستأجر وهذا جائز .
ومن ذلك إجارة ماء الشرب وحده فإنها لا تصح لأن الإجارة إنما ترد على المنفعة مع بقاء العين أما إجارة الماء فإنها تقع على استهلاكه فلا تصح كما تقدم .
ومن ذلك إجارة الحياض لصيد السمك فإنها واقعة على استهلاك عين السمك وإجارة المرعى لتأكل غنمه حشيشها فإن كل ذلك فيه استهلاك للعين فلا تنفع إجارته ولكنه يصح أن يستأجر تبعا لشيء آخر فيصح أن يستأجر القناة يجري فيها الماء فتقع الإجارة على الماء تبعا ويصح أن يستأجر قطعة من أرض المرعى ليجعلها مأوى لمواشيه ( حوش ) ويبيح له مالكها الرعي من حشيشها .
وأما الأشياء المختلف في جواز استئجارها فمنها إجارة الحمام فإن بعضهم يقول إن أخذ الحمامي أجرة مكروهة من الرجال والنساء . وبعضهم يقول إنها مكروهة من النساء دون الرجال والصحيح أنها جائزة بلا كراهة لحاجة الناس إليها وربما كانت النساء إليها أكثر لنفاسهن وضعفهن إنما الذي ينبغي النهي عنه هو كشف العورة فيها سواء كان من فيها نساء أو رجال إذ لا يحل للنساء أن ينظرن إلى عورة بعضهن كما لا يحل للرجال على التفصيل المتقدم في مباحث ستر العورة فعلى من يدخل الحمام أن يحتاط في ستر عورته وأن يغض بصره عن النظر إلى عورة غيره وإلا فقد فعل ما لا يحل له فعله سواء أكان ذلك في الحمام أو غيره .
ومنها أجرة الحجام فقد قال بعضهم بكراهيته لما ورد من أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم قال : « كسب الحجام خبيث ، وثمن الكلب خبيث ، ومهر البغي خبيث » والصحيح أنها جائزة بلا كراهة لما رواه البخاري من أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجره ولو كان مكروها لم يعطه والحديث الأول منسوخ بما ورد أن رجلا « قال يا رسول اللَّه إن لي عيالا وغلاما حجاما فأطعم عيالي من كسبه ؟ قال : نعم ، وأيضا فإن حديث البخاري مروي عن ابن عباس وحديث النهي رواه في السنن عن أبي رافع .
ومما لا شك فيه أن ابن عباس أعلم وأضبط وأفقه فيعمل بحديثه على أنه إذا اشترط الحجام أجرا معينا كره ذلك فيمكن حمل الكراهة على ذلك .
ومن ذلك أجرة السمسار والدلال . فإن الأصل فيه عدم الجواز لكنهم أجازوه لحاجة الناس إليه كدخول الحمام على أن الذي يجوز من ذلك إنما هو أجر المثل .