المسافر لا جائز ، ولكنهم اختلفوا في حكمه ، فقال الحنفية : إنه واجب ، والواجب عندهم أقل من الفرض ، ومساو للسنة المؤكدة ، وعلى هذا فيكره للمسافر أن يتم الصلاة الرباعية ، وإذا أتمها فإن صلاته تكون صحيحة إذا لم يترك الجلوس الأول ، لأنه فرض في هذه الحالة ، ولكنه يكون مسيئا بترك الواجب ، وهو وإن كان لا يعذب على تركه بالنار ، ولكنه يحرم من شفاعة النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يوم القيامة ، كما تقدم .
هذا هو رأي الحنفية ، أما المالكية فقد قالوا : إن قصرة الصلاة سنة مؤكدة آكد من صلاة الجماعة ، وإذا تركه المسافر فلا يؤاخذ على تركه ، ولكنه يحرم من ثواب السنة المؤكدة فقط ، ولا يحرم من شفاعة النبي ، كما يقول الحنفية ، فالمالكية ، والحنفية متفقون على أنه سنة مؤكدة ، ولكنهم مختلفون في الجزاء المترتب على تركه .
هذا هو ملخص المذاهب في هذا الحكم ، ولكن لكل مذهب تفصيل ، فانظر تفصيل كل مذهب على حدة تحت الخط ( 1 ) .
شرح
( 1 ) الحنفية - قالوا : قصر الصلاة واجب بالمعنى الذي فصلناه فوق الخط ، فإذا أتم الصلاة فقد فعل مكروها بترك الواجب ، على أن في الإتمام أيضا تأخيرا للسلام الواجب عن محله ، وذلك لأنه يجب على المصلي أن يسلم بعد الفراغ من القعود الأخير ، والقعود الأخير في صلاة المسافر هو ما كان في نهاية الصلاة المطلوبة منه ، وهي ركعتان ، فإذا صلَّى ركعتين ولم يجلس في الركعة الثانية بطلت صلاته ، لأن هذا الجلوس فرض كالجلوس الأخير ، وإذا لم يسلم بعد القعود وقام للركعة الثالثة فقد فعل مكروها ، لأنه بذلك يكون قد أخر السلام المطلوب منه عن محله .
المالكية - قالوا : قصر الصلاة سنة مؤكدة ، كما ذكرنا فوق الجدول ، فمن تركه وأتم الصلاة فقد حرم من ثواب هذه السنة ، وإذا لم يجد المسافر مسافرا مثله ليقتدي به صلَّى منفردا صلاة قصر ، ويكره له أن يقتدي بإمام مقيم ، لأنه لو اقتدى بإمام مقيم لزمه أن يتم الصلاة معه فتفوته سنة القصر المؤكدة .
الشافعية - قالوا : يجوز للمسافر مسافة قصر أن يقصر الصلاة ، كما يجوز له الإتمام ، بلا خلاف ، ولكن القصر أفضل من الإتمام ، بشرط أن تبلغ مسافة سفره ثلاثة مراحل ، وإلَّا لم يكن القصر أفضل ، وذلك لأن أقل مسافة القصر عندهم مرحلتان ، وسيأتي قريبا بيان معنى المرحلة عندهم ، فإذا كانت مسافة سفره مرحلتين فقط ، فإنه يجوز له أن يقصر ، كما يجوز له أن يتم ، أما إذا كانت ثلاث مراحل فأكثر فإن القصر يكون أفضل ، وإنما يكون القصر في هذه الحالة أفضل إذا لم يكن المسافر ملاحا ، والملاح هو القائم بتسيير السفينة ومساعدوه ، ويقال لهم :
البحارة ، فإذا كان هؤلاء مسافرين فإن إتمام الصلاة أفضل لهم ، وإن كانت مسافة سفرهم تزيد على ثلاث مراحل . هذا ، وإذا أخّر المسافر الصلاة إلى آخر وقتها بحيث لم يبق من الوقت إلَّا ما يسع صلاة ركعتين فقط ، فإنه يجب عليه في هذه الحالة أن يصلي قصرا ، ولا يجوز له الإتمام بحال ، لأنه في هذه الحالة يمكنه أن يوقع الصلاة كلها في الوقت ، كما تقدم في المسح على الخف ، فإنه إذا ضاق الوقت كان المسح فرضا لإدراك الصلاة في وقتها .