فانظر مذهبهم تحت الخط ( 1 ) ، وتسن فيها الجماعة عينا ، بحيث لو صلتها جماعة ، لا تسقط الجماعة عن الباقين ، فلو صلَّى الرجل في منزله صلاة التراويح فإنه يسن له أن يصلي بمن في داره جماعة ، فلو صلَّاها وحده فقد فاته ثواب سنة الجماعة ، وهذا الحكم متفق عليه عند الشافعية والحنابلة ، أما المالكية ، والحنفية ، فانظر مذهبهم تحت الخط ( 2 ) وقد ثبت كونها سنة في جماعة بفعل النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، فقد روى الشيخان : « أنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم خرج من جوف الليل ليالي من رمضان ، وهي ثلاث متفرقة : ليلة الثالث ، والخامس ، والسابع والعشرين ، وصلَّى في المسجد ، وصلَّى الناس بصلاته فيها ، وكان يصلي بهم ثمان ركعات ، ويكملون باقيها في بيوتهم ، فكان يسمع لهم أزيز كأزيز النحل » ، ومن هذا يتبين أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم سنّ لهم التراويح ، والجماعة فيها ، ولكنه لم يصل بهم عشرين ركعة ، كما جرى عليه العمل من عهد الصحابة ، ومن بعدهم إلى الآن ، ولم يخرج إليهم بعد ذلك ، خشية أن تفرض عليهم ، كما صرّح به في بعض الروايات ، ويتبين أيضا أن عددها ليس مقصورا على الثمان ركعات التي صلَّاها بهم ، بدليل أنهم كانوا يكملونها في بيوتهم ، وقد بيّن فعل عمر رضي اللَّه عنه أن عددها عشرون ، حيث أنه جمع الناس أخيرا على هذا العدد في المسجد ، ووافقه الصحابة على ذلك ، ولم يوجد لهم مخالف ممن بعدهم من الخلفاء الراشدين ، وقد قال النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « عليكم بسنتي ، وسنة الخلفاء الراشدين ( 3 ) المهديين ،
شرح
( 1 ) المالكية - قالوا : هي مندوبة ندبا أكيدا لكل مصل من رجال ونساء .
( 2 ) المالكية - قالوا : الجماعة فيها مندوبة .
الحنفية - قالوا : الجماعة فيها سنة كفاية لأهل الحي ، فلو قام بها بعضهم سقط الطلب عن الباقين .
( 3 ) أهل البيت ( ع ) : بعد التغافل عن أسانيد هذه الرواية وأمثالها يرد عليها استحالة صدور مضمونها من المعصوم لاستحالة أن يعبدنا الشارع بالمتناقضين ، وتناقض سيرة الخلفاء في نفسها من أوضح الأمور لمن قرأ تاريخهم واستقرأ ما صدر عنهم من أحداث . وحسبك أن سيرة الشيخين مما عرضت على الإمام علي عليه السلام يوم الشورى ، فأبى التقيد بها ولم يقبل الخلافة لذلك ، وقبلها عثمان وخرج عليها بإجماع المؤرخين ، وفي أيام خلافة الإمام ، نقض كل ما أبرمه الخليفة عثمان ، وخرج على سيرته سواء في توزيع الأموال أم المناصب أم أسلوب الحكم ، والشيخان نفسهما مختلفا السيرة ، فأبو بكر ساوي في توزيع الأموال الخراجية وعمر فاوت فيها ، وأبو بكر كان يرى طلاق الثلاث واحدا ، وعمر شرّعه ثلاثا ، وعمر منع عن المتعتين ، ولم يمنع عنهما الخليفة الأول ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى . وعلى هذا ، فأية هذه السير هي السنة ؟
وهل يمكن أن تكون كلها سنة حاكية عن الواقع ، وهل يتقبل الواقع حكمين متناقضين ؟ وما أحسن ما ناقش الغزالي أمثال هذه الروايات بقوله : « فإن من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت