وبعد ، فلعلك قد عرفت أن أدلة القبلة عند الأئمة لا تخرج عن أمور : منها المحاريب الموجودة في المساجد على التفصيل الذي بيّناه : ومنها : خبر العدل عند عدم وجود المحاريب ، ومنها التحري والاجتهاد عند عدم وجود العدل ، وقد عرفت أن بعضهم يقول : أن التحري والاجتهاد مقدم على خبر العدل ، إلى آخر ما بيّناه مفصلا في كل مذهب ( 1 ) .
وبقي ههنا أمور : أحدها : ما حكم من تحري ، فلم يرجح جهة على أخرى ؟
ثانيها : ما حكم من تحري ، وأراد تحريه إلى جهة ، ثم تبين له أنه أخطأ يقينا أو ظنا ، وهو في أثناء الصلاة أو بعد الفراغ منها ؟ ثالثها : ما حكم من ترك الاجتهاد ، وهو قادر عليه ، ثم صلَّى بدونه ؟ رابعها : ما حكم من يقدر على
شرح
الحنابلة - قالوا : إذا جهل الشخص جهة القبلة ، فإن كان في بلدة بها محاريب بناها المسلمون - علامة تدل على القبلة - فإنه يجب عليه أن يتجه إليها متى علم أنها في مسجد عمله المسلمون ، ولا يجوز له مخالفتها على أي حال ، بل لا يجوز له الانحراف عنها . وإن وجد محرابا في بلدة خراب ، كالجهات التي بها آثار قديمة ، فإنه لا يجوز له أن يتبعه ، إلَّا إذا تحقق أنه من آثار مسجد تهدم بناه المسلمون ، فإن لم يجد محاريب لزمه السؤال عن القبلة ، ولو بقرع الأبواب ، والبحث عمن يدله ، ولا يعتمد إلَّا على العدل ، سواء كان رجلا أو امرأة أو عبدا ، ثم إن المخبر إن كان عالما بالقبلة يقينا فإنه يجب العمل بإخباره . ولا يجوز له أن يجتهد ، وإن كان يعرفها بطريق الظن ، فإن كان عالما ، بأدلتها ، فإنه يفترض تقليده ، بشرط أن يكون الوقت ضيقا لا يسع البحث ، وإلَّا لزمه التعلم والعمل باجتهاده ، فإذا كان في سفر ، ولم يجد أحدا ، فإن كان عالما بأدلة القبلة ، فإنه يفترض عليه أن يبحث عنها بالأدلة ، ويجتهد بذلك في معرفتها ، فإذا اجتهد وغلب على ظنه جهة صلَّى إليها ، وصحت صلاته ، وإذا ترك الجهة التي غلب على ظنه أنها القبلة ، وصلَّى إلى غيرها ، فإن صلاته لا تصح ، حتى ولو تبين له أنه أصاب القبلة ، ولا يخفى أن هذا من المعاني السامية ، فإن الاجتهاد له قيمته في نظر المسلمين في كل شأن من الشؤون ، فإذا لم يستطع الاجتهاد ، كأن كان به رمد ، أو لم يستطع أن يعرف جهة القبلة فإنه يصلي إلى أي جهة يختارها ، ولا إعادة عليه .
فتحصل من هذا أن من جهل القبلة فيجب عليه أولا أن يتبع المحاريب إن كانت موجودة ، فإن لم يجدها ، فإنه يجب عليه أن يسأل أحدا عارفا بالقبلة ، فإن لم يجد من يسأله ، فإنه يجب عليه أن يجتهد إن قدر على الاجتهاد ، أو يقلد مجتهدا إن لم يقدر ، فإن لم يجد فإنه يتحرى بقدر إمكانه ويصلي ، فإذا خالف مرتبة من هذه المراتب ، فإن صلاته تبطل ، وعليه إعادتها ، حتى ولو أصاب القبلة ، لأن ترك ما هو مفترض عليه في هذه الحالة .
( 1 ) أهل البيت ( ع ) : لا ترتيب في الأمارات الدالة على جهة القبلة فمع تعذر العلم والاطمئنان يرجع إلى أي علامة شاء من العلامات التي ذكرناها .