شرح
هذا إذا كان أهلا للتحري وللاجتهاد ، فإن لم يكن أهلا لذلك ، فإنه يجب عليه أن يسأل شخصا مكلفا عدلا عارفا بالقبلة ، فإن لم يجد من يسأله فإنه يصلي إلى أي جهة يختارها وتصح صلاته .
وبهذا تعلم أن المالكية متفقون مع الحنفية في ضرورة اتباع المحاريب القديمة ، إلَّا أن المالكية اقتصروا على أربعة منها ، والحنفية قالوا : إن جميع المحاريب التي بناها الصحابة والتابعون مقدمة على ما عداها من أمارات القبلة ، ومختلفون في السؤال والتحري ، فالحنفية يقولون :
إذا لم يجد محاريب ، فإن عليه أن يسأل أولا . فإن لم يجد من يسأله يتحرى ، أما المالكية فإنهم يقولون : من كان أهلا للتحري ، فإنه يجب عليه أن يتحرى ولا يسأل أحدا ، وإلَّا إذا خفيت عليه علامات التحري .
الشافعية - قالوا : مراتب القبلة أربعة : المرتبة الأولى : أن يعلم بنفسه ، فمن أمكنه أن يعرف القبلة بنفسه فإنه يجب عليه أن يعرفها بنفسه ولا يسأل عنها أحدا . فالأعمى الموجود في المسجد إذا كان يمكنه مس حائط المسجد ليعرف القبلة ، فإنه يجب عليه أن يفعل ذلك ، ولا يسأل أحدا ، المرتبة الثانية : أن يسأل ثقة عالما بالقبلة ، بحيث يعرف أن الكعبة موجودة في هذه الجهة ، وقد عرفت أن سؤال الثقة إنما يكون عند العجز عن معرفتها بنفسه طبعا وإلا فلا يصح له السؤال ويقوم مقام الثقة بيت الإبرة - البوصلة - ونحوها من الآلات التي يمكن أن يعرف بها القبلة ، كنجم القطب ، والشمس ، والقمر ، والمحاريب الموجودة في بلد كبير من بلاد المسلمين ، أو موجودة في بلد صغير ، لكن يصلي إليه كثير من الناس .
والحاصل أن المرتبة الثانية من مراتب معرفة القبلة تشتمل على سؤال الثقة ، أو بيت الإبرة أو القطب ، أو المحاريب ، سواء كانت محاريب المساجد القديمة التي وضعها الصحابة والتابعون أو غيرها من المحاريب التي تكثر الصلاة إليها ، أما المحاريب التي توجد في المصلى الصغيرة التي يستعملها بعض الناس في الطرق والمزارع ونحوهما ، فإنها لا تعتبر ، المرتبة الثالثة :
الاجتهاد ، والاجتهاد لا يصح إلَّا إذا لم يجد ثقة يسأله ، أو لم يجد وسيلة من الوسائل التي يعرف بها القبلة ، أو لم يجد محرابا في مسجد كبير أو في مجسد صغير مطروق من الناس ، فإذا فقد كل ذلك ، فإنه يجتهد ، وما يؤديه إليه اجتهاده يكون قبلته . ولو اجتهد للظهر مثلا ، ثم نسي الجهة التي اجتهد إليها في العصر ، فإنه يجدد الاجتهاد ثانيا ، المرتبة الرابعة : تقليد المجتهد ، بمعنى أنه إذا لم يستطع أن يعرف القبلة بسؤال الثقة ولا بمحراب ولا بغيره ، فإن له أن يقلد شخصا اجتهد في معرفة القبلة وصلَّى إلى جهتها . فهو يصلي مثله .
وبهذا تعلم أن الشافعية خالفوا المالكية ، والحنفية في المحاريب الموجودة في المساجد التي بناها الصحابة والتابعون ، فإن المالكية جعلوا بعضها عمدة لا يجوز أن تستعمل وسيلة أخرى مع وجوده ، والحنفية جعلوها كلها عمدة ، أما الشافعية فقد قالوا : إن المحاريب كلها في مرتبة الوسائل الأخرى التي يمكن أن يعرف بها القبلة ، كبيت الإبرة والقطب ، ونحو ذلك واتفقوا مع الحنفية في الترتيب ، فقالوا : إنه إذا جهل القبلة ، فإنه يجب عليه أن يسأل ، فإذا لم يجد من يسأله فإنه يجب عليه أن يجتهد ، إلَّا أن الشافعية زادوا عن الحنفية مرتبة أخرى ، وهي تقليد المجتهد .