شرح
أن يكون في جهة ليست بها محاريب قديمة . وفي هذه الحالة يجب أن يعرف القبلة بالسؤال عنها ، وللسؤال عنها ثلاثة شروط : أحدها : أن يجد شخصا قريبا منه ، بحيث لو صاح عليه سمعه ، فلا يلزمه أن يبحث عن شخص يسأله ، ثانيها : أن يكون المسؤول عالما بالقبلة : إذ لا فائدة من سؤال غير العالم ، ثالثها : أن يكون المسؤول ممن تقبل شهادته . فلا يصح سؤال الكافر والفاسق والصبي ، لأن شهادتهم لا تقبل . وكذلك إخبارهم عن جهة القبلة إلَّا إذا غلب على ظنه صدقهم ، ويكتفي بسؤال عدل واحد ، فإن وجد من يسأله ، فلا يجوز له التحري ، الحالة الثالثة : أن لا يجد محرابا ولا شخصا يسأله ، وفي هذه الحالة عليه أن يعرف القبلة بالتحري ، بأن يصلي إلى الجهة التي يغلب على ظنه أنها جهة القبلة ، فتصح له صلاته في جميع الحالات .
هذا إذا كان موجودا في مدينة أو قرية ، أما إن كان مسافرا في الصحراء ونحوها من الجهات التي ليس بها سكان من المسلمين ، فإنه إذا كان عالما بالنجوم ، ويعرف اتجاه القبلة بها أو بالشمس أو القمر ، فذاك ، وإن لم يكن عالما ووجد شخصا عارفا بالقبلة ، فإنه يجب عليه أن يسأله . وإذا سأله ، ولم يجبه ، فعليه أن يجتهد في معرفة جهة القبلة بقدر ما يستطيع ، ثم يصلي ، ولا إعادة عليه ، حتى ولو أخبره الذي سأله أولا فلم يجبه .
المالكية - قالوا : إذا كان المصلي في جهة لا يعرف القبلة ، فإن كان في هذه الجهة مسجد به محراب قديم ، فإنه يجب عليه أن يصلي إلى الجهة التي فيها ذلك المحراب ، وتنحصر المحاريب القديمة في أربع ، وهي : محراب مسجد النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، ومحراب مسجد بني أمية بالشام : ومحراب مسجد عمرو بن العاص بمصر ، ومحراب مسجد القيروان ، فلو اجتهد وصلَّى إلى غير هذه المحاريب بطلت صلاته ، أما غير هذه المحاريب ، فإن كانت موجودة في الأمصار ، وموضوعة على قواعد صحيحة أقرها العارفون ، فإنه يجوز لمن كان أهلا للتحري أن يصلي إلى هذه المحاريب ، ولا يجب عليه أن يصلي إليها ، أما من ليس أهلا للتحري فإنه يجب عليه أن يقلدها ، أما المحاريب الموجودة بمساجد القرى ، فإنه لا يجوز لمن يكون أهلا للتحري أن يصلي إليها ، بل يجب عليه أن يتحرى عن وضعها قبل الصلاة ، فإنه لم يكن أهلا للتحري ، فإنه يجب عليه أن يصلي إليها إن لم يجد مجتهدا يقلده .
والحاصل أن الجهات التي فيها محاريب تنقسم إلى ثلاثة أقسام : الأول : محاريب المساجد الأربعة التي ذكرناها ، وهذه لا يجوز استقبال غيرها ، الثاني : المحاريب الموجودة في مساجد الأمصار الموضوعة على قواعد صحيحة ، وهذه لا يجب على من كان أهلا للاجتهاد أن يصلي إليها ، بل له أن يتركها ويجتهد ، وله أن يصلي إليها ، القسم الثالث : المحاريب الموجودة في مساجد القرى ، وهذه لا يجوز لمن كان أهلا للتحري أن يصلي إليها ، أما غيره فيجب أن يصلي إليها .
هذا حكم الجهات التي بها محاريب ، فإن وجد في جهة ليس بها محاريب وكان يمكنه أن يتحرى جهة القبلة ، فإنه يجب عليه أن يتحرى ، ولا يسأل أحدا ، إلَّا إذا خفيت عليه علامات القبلة ، وفي هذه الحالة يلزمه أن يسأل عن القبلة شخصا مكلفا عدلا ، عارفا بأدلة القبلة ، ولو كان أنثى أو عبدا .