مبحث في كيفية طهارة المريض بسلس بول ، ونحوه
قد عرفت أن الشريعة الإسلامية قد جاءت بنص صريح يرفع الحرج والمشقة عن الناس ، فقد قال تعالى * ( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) * فكل شيء فيه حرج وعسر لا يجب على المكلف فعله ، ومن ذلك المرضى بأمراض لا تقعدهم عن العمل ، كضعف المثانة المترتب عليها تقاطر البول بلا انقطاع في معظم الأوقات ، أو كلها ونحو ذلك من مذي وغيره ( 1 ) ، ويقال له : سلس ، ومثل هؤلاء المصابون بإسهال مستديم ، أو بمرض في الأمعاء - دوسنطاريا - يترتب عليه نزول دم أو قيح ( 2 ) ، فحكم هؤلاء وأمثالهم أن يعاملوا في الوضوء وغيره من أنواع الطهارة معاملة خاصة تناسب أمراضهم ، كما هو مفصل في المذاهب ( 3 ) .
شرح
الحنابلة - قالوا : يشترط فيما يستجمر به أمور : منها : أن يكون طاهرا ، وأن يكون مباحا فلا يصح الاستجمار بمغصوب ونحوه ، وأن يكون منقيا ، وضابط الإنقاء هنا أن لا يبقى أثر من النجاسة لا يزيله إلَّا الماء ، فلا يصح بالأملس ، كزجاج ، ونحوه ، وأن يكون جامدا ، فلا يكفي بالطين ، وأن لا يكون روثا ، أو عظما ، أو طعاما ، ولو لبهيمة ، وأن لا يكون محترما شرعا ، كقرطاس ذكر فيه اسم اللَّه تعالى ، أو كتب فيه حديث ، أو علم شرعي ، أو كتب فيه ما يباح استعماله شرعا ، أما ما كتب فيه محرم الاستعمال ، فليس من المحترم شرعا ، وأن لا يكون جزء حيوان ، كيده مثلا ، وأن لا يكون متصلا به ، كصوفه وأن لا يكون محرم الاستعمال ، كالذهب والفضة ، ويشترط أن يكون المسح ثلاثا مع الإنقاء ، وأن تعم كل مسحة منها المحل ، فإن حصل الإنقاء بدون الثلاثة لا يجزي ، وأن لا يكون المخرج متنجسا بغير الخارج منه ، وأن لا تتجاوز النجاسة موضع العادة ، فإن تجاوزت تعين الماء ، وأن لا يكون الخارج من النجاسة بقية حقنة فيتعين فيه الماء ، وأن لا يجف الخارج قبل الاستجمار ، فإن جف تعين الماء .
هذا ، وقد عدّ الحنابلة داخل قبل المرأة الثيب في حكم الظاهر ، ولكنهم قالوا : إنه لا يجب غسله في الاستنجاء ، بل أوجبوا غسل ما يظهر عند جلوسها لقضاء حاجتها .
( 1 ) أهل البيت ( ع ) : المذي والودي والوذي طاهر كما تقدم .
( 2 ) أهل البيت ( ع ) : ليس القيح بنجس كما أشرنا إليه وليس بناقض للطهارة .
( 3 ) الحنفية - قالوا : يتعلق بهذا أمور : أحدها : تعريف السلس ، ثانيها : حكمه ، ثالثها : ما يجب على المعذور فعله ، فأما تعريفه فهو مرض خاص يترتب عليه نزول البول ، أو انفلات الريح ، أو الاستحاضة ، أو الإسهال الدائم ، أو نحو ذلك من الأمراض المعروفة ، فمن أصيب بمرض من هذه الأمراض ، فإنه يكون معذورا ، ولكن لا يثبت عذره في ابتداء المرض ، إلَّا إذا استمر نزول حدثه متتابعا وقت صلاة مفروضة ، فإن لم يستمر كذلك لا يكون صاحبه