وهذا الشك لا ينقض وضوءه ، لأنه شك في حصول الحدث بعد الوضوء ، والشك لا يزيل يقين الطهارة ، الصورة الثانية : أن يتوضأ بيقين ، ويحدث بيقين ، ولكنه يشك ، هل توضأ قبل الحدث ( 1 ) ، فيكون وضوءه قد انتقض بالحدث ، أو توضأ بعد الحدث ، فيكون وضوءه باقيا ، وتحت هذه الصورة أمران : الأول : أن يتذكر قبل ذلك الوضوء والحدث الذي شك فيهما ، ولم يدر أيهما حصل أولا ، فإن تذكر أنه كان محدثا قبل ذلك ، اعتبر متوضئا ، لأنه ثبت أنه توضأ بعد الحدث الأول بيقين ، وشك في أنه أحدث ثانيا أو لا ، قد عرفت أن الشك عند الحنفية لا يضر ، مثال ذلك أن يتوضأ بعد الظهر بيقين ، ويحدث بيقين ، ولكنه يشك في هل الحدث الناقض وقع أولا ، فيكون الوضوء باقيا ، أو الوضوء حصل أولا ، فيكون الوضوء منتقضا بالحدث ، وفي هذه الحالة ينظر إلى ما كان عليه قبل الظهر ، فإن تذكر أنه كان محدثا قبل الظهر ، فإنه يعتبر متطهرا بعده ، وذلك لأنه تيقن الحدث الأول الواقع منه قبل الظهر ، وتيقن الوضوء الواقع منه بعد الظهر ، وشك في الحدث الثاني الواقع منه بعد الظهر ، هل وقع قبل الوضوء ، أو بعده ؟ والشك لا يرفع الحدث فيكون متوضئا ، الأمر الثاني : أن يتذكر أنه كان متوضئا قبل الظهر ، ثم توضأ بعده وأحدث ، وفي هذه الحالة تفصيل ، وهو إن كان من عادته تجديد الوضوء ( 2 ) . فإنه يعتبر بعد الفجر محدثا بيقين ، لأنه كان متوضئا قبله بيقين ، ثم جدد الوضوء بعده ، وأحدث ، ولا يدري أيهما السابق ، فلا يعتبر شاكا في نقض الوضوء ، لأنه كان متوضئا أولا بيقين ، ثم أحدث بيقين ، ووضوءه الثاني يعتبر تجديدا للوضوء الأول الذي وقع بعد الحدث بيقين ، فلا يكون تجديد الوضوء رفعا للحدث المتيقن ، أما إذا لم يكن من عادته الوضوء ، فإنه يعتبر متطهرا ، لأن طهارته الثانية ترفع الحدث المشكوك فيه .
هذا كله إذا شك في الوضوء بعد تمامه ، أما إذا شك أثناء الوضوء في عضو ، فإن عليه أن يعيد تطهير العضو الذي شك فيه ( 3 ) .
ولا يخفى أن هذه الدقائق العلمية ، ذكرناه لما عساه أن ينتفع به طلبة العلم ، أما العامة ( 4 ) فليس من الضروري أن يعرفوا مثل هذه الدقائق إلَّا في الأحوال
شرح
( 1 ) أهل البيت ( ع ) : إذا تيقن الحدث والطهارة وشك في المتقدم والمتأخر منهما تطهر سواء علم تاريخ الطهارة أو تاريخ الحدث أو جهل تاريخهما جميعا .
( 2 ) الحنابلة - قالوا : يعمل بضد حالته الأولى ، ولو كان من عادته بتجديد الوضوء .
( 3 ) أهل البيت ( ع ) : إن المثال المذكور من مصاديق قاعدة التجاوز وهي لا تجري في الوضوء .
( 4 ) أهل البيت ( ع ) : هذه القواعد لا تختص بطلبة العلوم الدينية وإنما هي محل ابتلاء -