شرح
فرضا بالماء ، أن يزيد على قدر الدرهم ، كما هو الشأن في حكم إزالة النجاسة ، أو ههنا لا يشترط ذلك ؟ خلاف بين محمد ، والصاحبين ، فمحمد يقول : يجب غسله في هذه الحالة بالماء ، وإن لم يبلغ الدرهم ، والصاحبان يقولان : لا يجب الماء إلَّا إذا زاد المتجاوز عن الدرهم ، ولا فرق في هذا الحكم بين الرجل ، والمرأة إلَّا في الاستبراء ، وهو - إخراج ما بقي في المخرج من بول ، أو غائط ، حتى يغلب على ظنه أنه لم يبق في المحل شيء - فإن الاستبراء بهذا المعنى لا يجب على المرأة ، وإنما الذي يجب عليها ، هو أنها تصبر زمنا يسيرا بعد فراغها من البول أو الغائط ، ثم تستنجي ، أو تستجمر ، أو تجمع بين الأمرين .
هذا وإذا استجمر ، وبقي أثر النجاسة ، ثم عرقت مقعدته ، وأصاب عرقها ثوبه ، فإن الثوب لا يتنجس ، وإن زاد على قدر الدرهم ، بخلاف ما إذا نزل المستجمر في ماء قليل - كالمغطس الصغير - فإنه ينجسه ، وبهذا تعلم أن حقيقة الاستنجاء - وهي إزالة ما على نفس المخرج فقط - لا تكون فرضا ، لأن إزالة ما زاد على ذلك يكون من باب إزالة النجاسة ، على أن الاستنجاء قد يكون مستحبا فقط ، وهو ما إذا بال ولم يتغوط ، فإنه يستحب له أن يغسل المحل الذي نزل منه البول ، إلَّا إذا انتشر البول ، وجاوز محله ، فإنه يجب غسله من باب إزالة النجاسة ، وقد يكون الاستنجاء بدعة ، كما إذا استنجى من خروج ريح .
هذا ، ويقدر الدرهم في النجاسة الجامدة بعشرين قيراطا ، وفي المائعة بملء مقر الكف ، أما القيراط فهو ما كان زنة خمس شعيرات غير مقشورة ، والمعروف في زماننا أن زنة القيراط يساوي - خروبة - وهي بذرة من بذور الخروب المتوسطة التي زنتها أربع قمحات من القمح البلدي ، والدرهم يساوي ستة عشر خروبة ، ولا يخفى أن الإنسان يستطيع أن يقدر ذلك تقديرا تقريبيا ، بحيث يفعل الأحوط .
المالكية - قالوا : الأصل في الاستنجاء ونحوه أن يكون مندوبا ، فيندب لقاضي الحاجة أن يزيل ما على المخرج بماء ، أو حجر ، إلَّا أنهم قالوا : تجب إزالته بالماء في أمور : منها : في بول المرأة سواء كانت بكرا أو ثيبا ، فيجب عليها أن تغسل كل ما ظهر من فرجها حال جلوسها ، سواء تعدى المحل الخارج منه إلى جهة المقعدة أو لا ، إلَّا أنه إن تعدى المحل ، وأصبح ذلك لازما ، بحيث يأتي كل يوم مرة فأكثر ، فإنه يكون سلسا يعفى عنه ، ومنها : أن ينتشر الخارج على المحل انتشارا كثيرا ، بحيث يزيد على ما جرت العادة بتلويثه ، كأن يصل الغائط إلى الألية ، ويعم البول معظم الحشفة وفي هذه الحالة يجب غسل الكل بالماء ، بحيث لا يصح الاقتصار على غسل ما جاوز المعتاد : ومنها : المذي إذا خرج بلذة معتادة ، ويجب عندهم غسل الذكر كله بنية على المعتمد ، فإذا غسله كله من غير نية ، وصلَّى ، فصلاته صحيحة على المعتمد ، وإذا غسل بعضه بنية ، وصلَّى ، فبعضهم يقول : تصح وبعضهم يقول : لا ، ومنها المني في الحالة التي لا يجب فيها الغسل من الجنابة ، ولذلك صورتان :
الأولى : أن يكون في مكان ليس فيه ماء يكفي للغسل ، وفي هذه الحالة يكون فرضه التيمم ، ولكن يجب عليه أن يزيل المني من عضو التناسل بالماء ، ولا يجب عليه غسل الذكر كله ، ومثل ذلك ما إذا كان مريضا مرضا يمنعه من الاغتسال ، وكان فرضه التيمم ، الصورة الثانية : أن ينزل منه المني على وجه السلس ، بأن ينزل منه كل يوم ولو مرة ، وفي هذه