شرح
طهورية هذا النبيذ والسؤرين تعبدية كالصعيد . وبالجملة فصّلوا في الوضوء والغسل ، بين ما كان منهما بنبيذ تمر أو سؤر الحمار أو بغل وبين ما كان بغير ذلك من المياه المطلقة فاعتبروا الأول عبادة غير معقولة المعنى فأوجبوا لها النية كالتيمم واعتبروا الثاني من الواجبات التوصلية إلى النظافة المحسوسة كالطهارة من النجاسة .
وما أدري من أين علموا أن غرض الشارع من الوضوء والغسل ليس إلا الطهارة المحسوسة التي يوجدها سيلان الماء بمجرد طبعه ؟ وقد علم كل مسلم ومسلمة أن الوضوء والغسل إنما هما لرفع أثر الحدث استباحة للصلاة ونحوها مما هو مشروط برفعه . وهذا غير محسوس ولا مفهوم لولا التعبد بالأوامر المقدسة الصادرة من لدن حكيم مطلق بكل حقيقة ودقيقة تخفى على الإنس والجن والملائكة وسائر المخلوقات . نعم نؤمن بأن الوضوء لرفع أثر الحدث الأصغر وأن الغسل لرفع الحدث الأكبر تعبدا ، كما نؤمن بفرائض الصلاة والصوم والزكاة والحج كيفا وكما ووقتا .
ومجرد حصول النظافة المحسوسة بالوضوء والغسل في كثير من الأوقات لا يجعلهم توصليين إليها ، كما أن إنعاش مستحقي الزكاة بأدائها إليهم لا يخرجها عن العبادة فيجعلها توصلية إلى إنعاشهم . وكذلك الخمس والكفارات وسائر الصدقات والعبادات المالية . ولو كان الغرض من الوضوء والغسل مجرد الطهارة المحسوسة لما وجبا على المحدث ، إذا كان في غاية النظافة والنقاء ، وهذا خارق لإجماع المسلمين مخالف لما هو ثابت عن سيد النبيين إذ قال ( ص ) : لا يقبل اللَّه صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول .
وقد يستدل على اشتراط النية هنا بالكتاب والسنة ، مضافا إلى ما يقتضيه الأصل العملي من وجوب إحراز الشرط المشكوك في شرطيته ، واستصحاب بقاء الحدث في صورة التوضؤ بغير نية .
أما الكتاب فمجموع آيتي المائدة والبينة ، فإن آية المائدة هي * ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) * إلى آخرها تثبت الصغرى في شكل القياس ، وهي أن الوضوء والغسل كما أمرنا به وآية البينة وهي * ( وما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَه الدِّينَ ) * تثبت كبرى الشكل ، وهي كل ما أمرنا به يجب الإخلاص للَّه فيه ، لكن في هذا الاستدلال نظر بل إشكال .
وأما السنة فقوله ( ص ) في الصحيح المشهور : إنما الأعمال بالنيات بناء على أن التقدير إنما صحة الأعمال كائنة بالنيات لكن للحنفية أن يقولوا : تقديره إنما الأعمال بالنيات ، وحينئذ لا يصلح دليلا على ما نقول . وقد يقال في جوابهم : ان التقدير الأول أولى لأن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال ، فالحمل عليها أولى لأن ما كان ألزم للشيء كان أقرب خطورا للذهن عند إطلاق اللفظ ، ومع ذلك فإن فيه تأملا .
ونحن الإمامية في كل ما ندين اللَّه به تبع لأئمة العترة الطاهرة ومذهبهم عندنا حجة بنفسه ، لأنهم أعدال كتاب اللَّه وعيبة سنن رسول اللَّه وسفن نجاة الأمة ، يسلم من ركبها ويغرق من تخلف عنها وباب حطة يأمن من دخلها والعروة الوثقى لا انفصام لها ، وأمان الأمة من الاختلاف وأمنها من العذاب وبيضة رسول اللَّه التي تفقأت عنه وأوليائه وأوصياؤه ،