شرح
وأما الإجماع فلأن أهل القبلة كافة في هذه المسألة على رأي واحد ، ومن خالف فيه فإنما هو شاذ ، خارق ، لإجماع المسلمين ، لا يعبأ بشذوذه ، كمن شذ بقوله لا يجوز الوضوء بماء البحر « 39 » مثلا .
احتج أبو حنيفة والثوري ومن رأى رأيهما بما روي عن ابن مسعود من طريقين :
أولهما : عن العباس بن الوليد بن صبيح الخلال الدمشقي عن مروان بن محمد الطاطري الدمشقي ، عن عبد اللَّه بن لهيعة ، عن قيس بن الحجاج ، عن حنش الصناعي ، عن عبد اللَّه بن عباس ، عن ابن مسعود ، أن رسول اللَّه ( ص ) قال له ليلة الجن : معك ماء ؟ قال : لا إلا نبيذا في سطيحة « 40 » قال رسول اللَّه ( ص ) : تمرة طيبة وماء طهور صب علي قال فصببت عليه فتوضأ به .
أخرج هذا الحديث من هذا الطريق محمد بن يزيد بن ماجة القزويني في باب الوضوء بالنبيذ من سننه ولم يخرجه من هذا الطريق أحد من أصحاب السنن سواه فيما أعلم ، لظلماته المتراكم بعضها على بعض ، فإن العباس بن الوليد لم يكن بثقة ولا مأمونا وقد تركه جهابذة الجرح والتعديل حتى سئل عنه أبو داود - كما في ميزان الاعتدال - فقال كان عالما بالرجال والأخبار لا أحدث عنه . وأنت تعلم إنهم تركوه لوهنه ، أما شيخه مروان بن محمد الطاطري فقد كان من ضلال المرجئة وأورده العقيلي في كتاب الضعفاء . وصرح بضعفه ابن حزم تعلم هذا كله من ترجمته في ميزان الاعتدال . على أن شيخه عبد اللَّه بن لهيعة ممن ضعفه أئمتهم في الجرح والتعديل ، فراجع أقوالهم في أحواله من معاجم التراجم كميزان الاعتدال وغيره تجده مشهودا عليه بالضعف من ابن معين وابن سعيد وغيرهما ، وهناك مغامز أخر في غير هؤلاء الثلاثة من رجال هذا الطريق لسنا في حاجة إلى بيانها .
أما الطريق الثاني من طريقي الحديث ، فينتهي إلى أبي زيد مولى عمر بن حريث ، عن عبد اللَّه بن مسعود : أن رسول اللَّه قال له ليلة الجن : عندك طهور ؟ قال : لا : إلا شيء من نبيذ في إداوه قال ( ص ) : تمرة طيبة وماء طهور فتوضأ .
أخرجه ابن ماجة والترمذي وأبو داود . وليس فيما رواه أبو داود ، فتوضأ به . وهذا الحديث باطل من هذا الطريق أيضا كما هو باطل من طريقه الأول . وحسبك في بطلانه أنّ مداره على أبي زيد مولى عمرو بن حريث وهو مجهول عند أهل الحديث كما نص عليه الترمذي وغيره . وقد ذكره الذهبي في الكنى من ميزانه فنص على أنه لا يعرف وأنه روى عن ابن مسعود وأنه لا يصح حديثه . وأن البخاري ذكره في الضعفاء ، وأن متن حديثه : أن نبي اللَّه توضأ بالنبيذ . وأن الحاكم قال : إنه رجل مجهول . وأنه ليس له سوى هذا الحديث ( الباطل ) .
هامش
« 39 » كان عبد اللَّه بن عمرو بن العاص لا يجيز الوضوء بماء البحر كما هو مشهور عنه . وقد نقل الرازي عنه ذلك آية الوضوء من سورة المائدة .
« 40 » السطيحة من أواني الماء ما كان من جلدين ، قوبل أحدهما بالآخر ، فسطح عليه ، تكون صغيرة وكبيرة .