وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَرَأَى أَهْلَهُ قَدْ اشْتَرَوْا كِيزَاناً لِلْمَاءِ ، وَاسْتَعَدُّوا لِلصَّوْمِ ، فَقَالَ : " مَا هَذَا ؟ ، فَقَالُوا : رَجَبٌ ، فَقَالَ : أَتُرِيدُونَ أَنْ تُشَبِّهُوهُ بِرَمَضَانَ ؟ وَكَسَرَ تِلْكَ الْكِيزَانَ " .
فَمَتَى أَفْطَرَ بَعْضاً لَمْ يُكْرَهْ صَوْمُ الْبَعْضِ .
وَفِي الْمُسْنَد وَغَيْرِهِ : حَدِيثٌ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَ بِصَوْمِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ، وَهِيَ : رَجَبٌ ، وَذُو الْقَعْدَةِ ، وَذُو الْحِجَّةِ ، وَالْمُحَرَّمُ } .
فَهَذَا فِي صَوْمِ الْأَرْبَعَةِ جَمِيعاً ، لَا مَنْ يُخَصِّصُ رَجَباً .
وَأَمَّا تَخْصِيصُهَا بِالِاعْتِكَافِ فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ أَمْراً ، بَلْ كُلُّ مَنْ صَامَ صَوْماً مَشْرُوعاً ، وَأَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ مِنْ صِيَامِهِ كَانَ ذَلِكَ جَائِزاً بِلَا رَيْبٍ ، وَإِنْ اعْتَكَفَ بِدُونِ الصِّيَامِ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ ، كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ .
وَالثَّانِي : يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ ، بِدُونِ الصَّوْمِ .
كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .
وَأَمَّا الصَّمْتُ عَنْ الْكَلَامِ مُطْلَقاً فِي الصَّوْمِ ، أَوْ الِاعْتِكَافِ ، أَوْ غَيْرِهِمَا ، فَبِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ ، بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
لَكِنْ هَلْ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِهِ ، وَغَيْرِهِ .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ دَخَلَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَحْمَسَ فَوَجَدَهَا مُصْمِتَةً لَا تَتَكَلَّمُ ، فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ : إنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ إنَّ هَذَا مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلاً قَائِماً فِي الشَّمْسِ ، فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالُوا : هَذَا أَبُو إسْرَائِيلَ ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ ، وَلَا يَسْتَظِلَّ ، وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ .
فَقَالَ : مُرُوهُ فَلْيَجْلِسْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَتَكَلَّمْ ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ } " .
فَأَمَرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ نَذْرِهِ لِلصَّمْتِ ، أَنْ يَتَكَلَّمَ ، كَمَا أَمَرَهُ مَعَ نَذْرِهِ لِلْقِيَامِ أَنْ يَجْلِسَ ، وَمَعَ نَذْرِهِ أَنْ لَا يَسْتَظِلَّ ، أَنْ يَسْتَظِلَّ .
وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِأَنْ يُوَفِّيَ بِالصَّوْمِ فَقَطْ .
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ مِنْ الْقُرَبِ الَّتِي يُؤْمَرُ بِهَا النَّاذِرُ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 479
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٧٩