ذكر سبحانه بعض آياته الدالة على كمال قدرته الموجبة لتوحيده وصدق ما وعد به من البعث ، فقال ( ومن
آياته خلق السماوات والأرض ) أي خلقهما على هذه الكيفية العجيبة والصنعة الغريبة ( وما بث فيهما من دابة )
يجوز عطفه على خلق ، ويجوز عطفه على السماوات ، والدابة اسم لكل ما دب . قال الفراء : أراد ما بث في الأرض
دون السماء كقوله - يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان - وإنما يخرج من الملح دون العذب . وقال أبو علي الفارسي :
تقديره وما بث في أحدهما ، فحذف المضاف . وقال مجاهد : يدخل في هذا الملائكة والناس ، وقد قال تعالى
- ويخلق مالا تعلمون - ( وهو على جمعهم ) أي حشرهم يوم القيامة ( إذا يشاء قدير ) الظرف متعلق بجمعهم لا بقدير
قال أبو البقاء ، لأن ذلك يؤدي ، وهو على جمعهم قدير إذا يشاء فتتعلق القدرة بالمشيئة وهو محال . قال شهاب
الدين : ولا أدري ما وجه كونه محالا على مذهب أهل السنة ، فإن كان يقول بقول المعتزلة وهو أن القدرة تتعلق
بما لم يشأ الله مشى كلامه ، ولكنه مذهب رديء لا يجوز اعتقاده ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ) أي
ما أصابكم من المصائب كائنة ما كانت فبسبب ما كسبت أيديكم من المعاصي . قرأ نافع وابن عامر " بما كسبت "
بغير فاء ، وقرأ الباقون بالفاء ، " وما " في " وما أصابكم " هي الشرطية ، ولهذا دخلت الفاء في جوابها على قراءة
الجمهور ولا يجوز حذفها عند سيبويه والجمهور ، وجوز الأخفش الحذف كما في قوله - وإن أطعتموهم إنكم
لمشركون - وقول الشاعر :
من يفعل الحسنات الله يشكرها * والشر بالشر عند الله مثلان
وقيل هي الموصولة فيكون الحذف والإثبات جائزين ، والأول أولى . قال الزجاج : إثبات الفاء أجود لأن
الفاء مجازاة جواب الشرط ، ومن حذف الفاء فعلى أن ما في معنى الذي ، والمعنى : الذي أصابكم وقع بما كسبت
أيديكم . قال الحسن : المصيبة هنا الحدود على المعاصي ، والأولى الحمل على العموم كما يفيده وقوع النكرة في
فتح القدير — صفحة 538
مساهمون: الشوكاني
ص٥٣٨