تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 541

مساهمون:

ص٥٤١
أبي أيوب على الإيمان به والنصرة له . وقيل المراد تشاورهم في كل أمر يعرض لهم فلا يستأثر بعضهم على بعض برأي ، وما أحسن ما قاله بشار بن برد : إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن * برأي نصيح أو نصيحة حازم ولا تجعل الشورى عليك غضاضة * فريش الخوافي قوة للقوادم وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشاور أصحابه في أموره وأمره الله سبحانه بذلك فقال " وشاورهم في الأمر " وقد قدمنا في آل عمران كلاما في الشورى ( ومما رزقناهم ينفقون ) أي ينفقونه في سبيل الخير ويتصدقون به على المحاويج . ثم ذكر سبحانه الطائفة التي تنتصر ممن ظلمها فقال ( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ) أي أصابهم بغي من بغى عليهم بغير الحق ، ذكر سبحانه هؤلاء المنتصرين في معرض المدح كما ذكر المغفرة عند الغضب في معرض المدح لأن التذلل لمن بغى ليس من صفات من جعل الله له العزة حيث قال - العزة لله ولرسوله وللمؤمنين - فالانتصار عند البغي فضيلة ، كما أن العفو عند الغضب فضيلة . قال النخعي : كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم السفهاء ، ولكن هذا الانتصار مشروط بالاقتصار على ما جعله الله له وعدم مجاوزته كما بينه سبحانه عقب هذا بقوله ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) فبين سبحانه أن العدل في الانتصار هو الاقتصار على المساواة ، وظاهر هذا العموم . وقال مقاتل والشافعي وأبو حنيفة وسفيان : إن هذا خاص بالمجروح ينتقم من الجارح بالقصاص دون غيره . وقال مجاهد والسدي : هو جواب القبيح إذا قال أخزاك الله يقول أخزاك الله من غير أن يعتدي ، وتسمية الجزاء سيئة إما لكونها تسوء من وقعت عليه أو على طريق المشاكلة لتشابههما في الصورة . ثم لما بين سبحانه أن جزاء السيئة بمثلها حق جائز بين فضيلة العفو فقال ( فمن عفا وأصلح فأجره على الله ) أي من عفا عمن ظلمه وأصلح بالعفو بينه وبين ظالمه : أي أن الله سبحانه يأجره على ذلك ، وأبهم الأجر تعظيما لشأنه وتنبيها على جلالته . قال مقاتل : فكان العفو من الأعمال الصالحة ، وقد بينا هذا في سورة آل عمران . ثم ذكر سبحانه خروج الظلمة عن محبته التي هي سبب الفوز والنجاة فقال ( إنه لا يحب الظالمين ) أي المبتدئين بالظلم قال مقاتل : يعني من يبدأ بالظلم ، وبه قال سعيد بن جبير . وقيل لا يحب من يتعدى في الاقتصاص ويجاوز الحد فيه لأن المجاوزة ظلم ( ولم انتصر بعد ظلمه ) مصدر مضاف إلى المفعول : أي بعد أن ظلمه الظالم له ، واللام هي لام الابتداء . وقال ابن عطية : هي لام القسم ، والأول أولى . ومن هي الشرطية وجوابه ( فأولئك ما عليهم من سبيل ) بمؤاخذة وعقوبة ، ويجوز أن تكون من هي الموصولة ودخلت الفاء في جوابها تشبيها للموصولة بالشرطية ، والأول أولى . ولما نفى سبحانه السبيل على من انتصر بعد ظلمه بين من عليه السبيل فقال ( إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ) أي يتعدون عليهم ابتداء كذا قال الأكثر . وقال ابن جريج : أي يظلمونهم بالشرك المخالف لدينهم ( ويبغون في الأرض بغير الحق ) أي يعلمون في النفوس والأموال بغير الحق كذا قال الأكثر . وقال مقاتل : بغيهم عملهم بالمعاصي ، وقيل يتكبرون ويتجبرون . وقال أبو مالك : هو ما يرجوه أهل مكة أن يكون بمكة غير الإسلام دينا ، والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى الذين يظلمون الناس وهو مبتدأ ، وخبره ( لهم عذاب أليم ) أي لهم بهذا السبب عذاب شديد الألم . ثم رغب سبحانه في الصبر والعفو فقال ( ولمن صبر وغفر ) أي صبر على الأذى وغفر لمن ظلمه ولم ينتصر ، والكلام في هذه اللام ومن كالكلام في ولمن انتصر ( إن ذلك ) الصبر والمغفرة ( لمن عزم الأمور ) أي أن ذلك منه فحذف لظهوره ، كما في قولهم * السمن منوان بدرهم * قال مقاتل : من الأمور التي أمر الله بها . وقال الزجاج : الصابر يؤتى بصبره ثوابا ، فالرغبة في الثواب أتم عزما . قال ابن زيد :