فإن يهلك أبو قابوس يهلك * ربيع الناس والشهر الحرام
ونأخذ بعده بذناب عيش * أجب الظهر ليس له سنام
بنصب ونأخذ ( ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص ) قرأ الجمهور بنصب " يعلم " قال الزجاج :
على الصرف ، قال : ومعنى الصرف صرف العطف على اللفظ إلى العطف على المعنى ، قال : وذلك أنه لما لم يحسن
عطف ويعلم مجزوما على ما قبله إذ يكون المعنى : إن يشأ يعلم عدل إلى العطف على مصدر الفعل الذي قبله ، ولا
يتأتى ذلك إلا بإضمار أن لتكون مع الفعل في تأويل أسم ، ومن هذا بيتا النابغة المذكوران قريبا ، وكما قال الزجاج .
قال المبرد وأبو علي الفارسي : واعترض على هذا الوجه بما لا طائل تحته . وقيل النصب على العطف على تعليل
محذوف والتقدير : لينتقم منهم ويعلم . واعترضه أبو حيان بأنه ترتب على الشرط إهلاك قوم ونجاة قوم فلا يحسن تقدير
لينتقم منهم . وقرأ نافع وابن عامر برفع " يعلم " على الاستئناف وهي قراءة ظاهرة المعنى واضحة اللفظ . وقرئ بالجزم
عطفا على المجزوم قبله على معنى : وإن يشأ يجمع بين الإهلاك والنجاة والتحذير ، ومعنى ( ما لهم من محيص ) ما لهم
من فرار ولا مهرب ، قاله قطرب . وقال السدي : ما له من ملجأ ، وهو مأخوذ من قولهم حاص به البعير حيصة :
إذا رمى به ، ومنه قولهم فلان يحيص عن الحق : أي يميل عنه ( فما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا ) لما ذكر
سبحانه دلائل التوحيد ذكر التنفير عن الدنيا : أي ما أعطيتم من الغنى والسعة في الرزق فإنما هو متاع قليل في أيام
قليلة ينقضي ويذهب . ثم رغبهم في ثواب الآخرة وما عند الله من النعيم المقيم فقال ( وما عند الله خير وأبقى ) أي
ما عند الله من ثواب الطاعات والجزاء عليها بالجنات خير من متاع الدنيا وأبقى لأنه دائم لا ينقطع ، ومتاع الدنيا
ينقطع بسرعة . ثم بين سبحانه لمن هذا فقال ( للذين آمنوا ) أي صدقوا وعملوا على ما يوجبه الإيمان ( وعلى ربهم
يتوكلون ) أي يفوضون إليه أمورهم ويعتمدون عليه في كل شؤونهم لا على غيره ( والذين يجتنبون كبائر الإثم
والفواحش ) الموصول في محل جر معطوف على الذين آمنوا أو بدلا منه أو في محل نصب بإضمار : أعني والأول
أولى ، والمعنى : أن ما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وللذين يجتنبون . والمراد بكبائر الإثم : الكبائر من الذنوب ،
وقد قدمنا تحقيقها في سورة النساء . قرأ الجمهور " كبائر " بالجمع ، وقرأ حمزة والكسائي " كبير " بالإفراد وهو
يفيد مفاد الكبائر ، لأن الإضافة للجنس كاللام . والفواحش هي من الكبائر ولكنها مع وصف كونها فاحشة كأنها
فوقها ، وذلك كالقتل والزنا ونحو ذلك . وقال مقاتل : الفواحش موجبات الحدود . وقال السدي : هي الزنا
( وإذا ما غضبوا هم يغفرون ) أي يتجاوزون عن الذنب الذي أغضبهم ويكظمون الغيظ ويحملون على من ظلمهم ،
وخص الغضب بالغفران لأن استيلاءه على طبع الإنسان وغلبته عليه شديدة ، فلا يغفر عند سورة الغضب إلا من
شرح الله صدره وخصه بمزية الحلم ، ولهذا أثنى الله سبحانه عليهم بقوله في آل عمران " والكاظمين الغيظ " قال
ابن زيد : جعل الله المؤمنين صنفين : صنفا يعفون عن ظالمهم فبدأ بذكرهم ، وصنفا ينتصرون من ظالمهم وهم
الذين سيأتي ذكرهم ( والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة ) أي أجابوه إلى ما دعاهم إليه وأقاموا ما أوجبه عليهم
من فريضة الصلاة . قال ابن زيد : هم الأنصار بالمدينة استجابوا إلى الإيمان بالرسول حين أنفذ إليهم اثنى عشر
نقيبا منهم قبل الهجرة ، وأقاموا الصلاة لمواقيتها بشروطها وهيئاتها ( وأمرهم شورى بينهم ) أي يتشاورون فيما
بينهم ولا يعجلون ولا ينفردون بالرأي ، والشورى مصدر شاورته مثل البشرى والذكرى . قال الضحاك : هو
تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وورود النقباء إليهم حين اجتمع رأيهم في دار
فتح القدير — صفحة 540
مساهمون: الشوكاني
ص٥٤٠