تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 539

مساهمون:

ص٥٣٩
سياق النفي ودخول من الاستغراقية عليها ( ويعفو عن كثير ) من المعاصي التي يفعلها العباد فلا يعاقب عليها ، فمعنى الآية : أنه يكفر عن العبد بما يصيبه من المصائب ويعفو عن كثير من الذنوب . وقد ثبتت الأدلة الصحيحة أن جميع ما يصاب به الإنسان في الدنيا يؤجر عليه أو يكفر عنه من ذنوبه . وقيل هذه الآية مختصة بالكافرين على معنى : أن ما يصابون به بسبب ذنوبهم من غير أن يكون ذلك مكفرا عنهم لذنب ولا محصلا لثواب ، ويترك عقوبتهم عن كثير من ذنوبهم فلا يعاجلهم في الدنيا بل يمهلهم إلى الدار الآخرة . والأولى حمل الآية على العموم ، والعفو يصدق على تأخير العقوبة كما يصدق على محو الذنب ورفع الخطاب به . قال الواحدي : وهذه أرجى آية في كتاب الله لأنه جعل ذنوب المؤمنين صنفين : صنف كفره عنهم بالمصائب ، وصنف عفا عنه في الدنيا وهو كريم لا يرجع في عفوه ، فهذه سنة الله مع المؤمنين . وأما الكافر فإنه لا يعجل له عقوبة ذنبه حتى يوافي به يوم القيامة ( وما أنتم بمعجزين في الأرض ) أي بفائتين عليه هربا في الأرض ولا في السماء لو كانوا فيها بل ما قضاه عليهم من المصائب واقع عليهم نازل بهم ( وما لكم من دون الله من ولي ) يواليكم فيمنع عنكم ما قضاه الله ( ولا نصير ) ينصركم من عذاب الله في الدنيا ولا في الآخرة . ثم ذكر سبحانه آية أخرى من آياته العظيمة الدالة على توحيده وصدق ما وعد به فقال ( ومن آياته الجوار ) قرأ نافع وأبو عمرو " الجواري " بإثبات الياء في الوصل ، وأما في الوقف فإثباتها على الأصل وحذفها للتخفيف ، وهي السفن واحدتها جارية : أي سائرة ( في البحر كالأعلام ) أي الجبال جمع علم وهو الجبل ، ومنه قول الخنساء : وإن صخرا لتأتم الهداة به * كأنه علم في رأسه نار قال الخليل : كل شئ مرتفع عند العرب فهو علم . وقال مجاهد : الأعلام القصور واحدها علم ( إن يشأ يسكن الريح ) قرأ الجمهور بهمز " يشأ " وقرأ ورش عن نافع بلا همز . وقرأ الجمهور " الريح " بالإفراد . وقرأ نافع " الرياح " على الجمع : أي يسكن الريح التي تجري بها السفن ( فيظللن ) أي السفن ( رواكد ) أي سواكن ثوابت ( على ظهر ) البحر ، يقال ركد الماء ركودا : سكن ، وكذلك ركدت الريح وركدت السفينة وكل ثابت في مكان فهو راكد . قرأ الجمهور " فيظللن " بفتح اللام الأولى ، وقرأ قتادة بكسرها وهي لغة قليلة ( إن في ذلك ) الذي ذكر من أمر السفن ( لآيات ) دلالات عظيمة ( لكل صبار شكور ) أي لكل من كان كثير الصبر على البلوى كثير الشكر على النعماء . قال قطرب : الصبار الشكور الذي إذا أعطى شكر وإذا ابتلى صبر . قال عون ابن عبد الله : فكم من منعم عليه غير شاكر * وكم من مبتلى غير صابر ( أو يوبقهن بما كسبوا ) معطوف على يسكن : أي يهلكهن بالغرق ، والمراد أهلهن بما كسبوا من الذنوب ، وقيل بما أشركوا . والأول أولى ، فإنه يهلك في البحر المشرك وغير المشرك ، يقال أوبقه : أي أهلكه ( ويعف عن كثير ) من أهلها بالتجاوز عن ذنوبهم فينجيهم من الغرق . قرأ الجمهور " يعف " بالجزم عطفا على جواب الشرط . قال القشيري : وفي هذه القراءة إشكال لأن المعنى : إن يشأ يسكن الريح فتبقى تلك السفن رواكد أو يهلكها بذنوب أهلها فلا يحسن عطف " يعف " على هذا ، لأنه يصير المعنى : أن يشأ يعف وليس المعنى ذلك ، بل المعنى الإخبار عن العفو من غير شرط المشيئة فهو إذن عطف على المجزوم من حيث اللفظ لا من حيث المعنى ، وقد قرأ قوم " ويعفو " بالرفع وهي جيدة في المعنى . قال أبو حيان : وما قاله ليس بجيد إذ لم يفهم مدلول التركيب ، والمعنى : إلا أنه تعالى أهلك ناسا وأنجى ناسا على طريق العفو عنهم ، وقرأ الأعمش " ويعفو " بالرفع ، وقرأ بعض أهل المدينة بالنصب بإضمار أن بعد الواو كما في قول النابغة :