تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 535

مساهمون:

ص٥٣٥
عدم صدوره منه وختم على قلبه بحيث لا يخطر بباله شيئا مما كذب فيه كما تزعمون . قال قتادة : يختم على قلبك فينسيك القران ، فأخبرهم أنه لو افترى عليه لفعل به ما أخبرهم به في هذه الآية . وقال مجاهد ومقاتل : أن يشأ يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يدخل قلبك مشقة من قولهم . وقيل الخطاب له ، والمراد الكفار : أي إن يشأ يختم على قلوب الكفار ويعاجلهم بالعقوبة ، ذكره القشيري . وقيل المعنى : لو حدثتك نفسك أن تفتري على الله كذبا لطبع على قلبك ، فإنه لا يجتريء على الكذب إلا من كان مطبوعا على قلبه ، والأول أولى ، وقوله ( ويمحوا الله الباطل ) استئناف مقرر لما قبله من نفي الافتراء . قال ابن الأنباري : يختم على قلبك تام : يعني وما بعده مستأنف . وقال الكسائي : فيه تقديم وتأخير : أي والله يمحو الباطل . وقال الزجاج : أم يقولون افترى على الله كذبا تام . وقوله ( ويمحو الله الباطل ) احتجاج على من أنكر ما أتى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أي لو كان ما أتى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم باطلا لمحاه كما جرت به عادته في المفترين ( ويحق الحق ) أي الإسلام فيبينه ( بكلماته ) أي بما أنزل من القرآن ( إنه عليم بذات الصدور ) عالم بما في قلوب العباد ، وقد سقطت الواو من ويمحو في بعض المصاحف كما حكاه الكسائي ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ) أي يقبل من المذنبين من عباده توبتهم إليه مما عملوا من المعاصي واقترفوا من السيئات ، والتوبة الندم على المعصية والعزم على عدم المعاودة لها . وقيل يقبل التوبة عن أوليائه وأهل طاعته . والأول أولى ، فإن التوبة مقبولة من جميع العباد مسلمهم وكافرهم إذا كانت صحيحة صادرة عن خلوص نية وعزيمة صحيحة ( ويعفو عن السيئات ) على العموم لمن تاب عن سيئته ( ويعلم ما تفعلون ) من خير وشر فيجازي كلا بما يستحقه . قرأ حمزة والكسائي وحفص وخلف " تفعلون " بالفوقية على الخطاب . وقرأ الباقون بالتحتية على الخبر ، واختار القراءة الثانية أبو عبيد وأبو حاتم لأن هذا الفعل وقع بين خبرين ( ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) الموصول في موضع نصب : أي يستجيب الله الذين آمنوا ويعطيهم ما طلبوه منه ، يقال أجاب واستجاب بمعنى . وقيل المعنى يقبل عبادة المخلصين ، وقيل التقدير ويستجيب لهم ، فحذف اللام كما حذف في قوله " وإذا كالوهم " أي كالوا لهم ، وقيل إن الموصول في محل رفع : أي يجيبون ربهم إذا دعاهم كقوله - استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم - قال المبرد : معنى ( ويستجيب الذين آمنوا ) ويستدعي الذين آمنوا الإجابة ، هكذا حقيقة معنى استفعل ، فالذين في موضع رفع ، والأول أولى ( ويزيدهم من فضله ) أي يزيدهم على ما طلبوه منه ، أو على ما يستحقونه من الثواب تفضلا منه ، وقيل يشفعهم في إخوانهم ( والكافرون لهم عذاب شديد ) هذا للكافرين مقابلا ما ذكره للمؤمنين فيما قبله ( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ) أي لو وسع الله لهم رزقهم لبغوا في الأرض لعصوا فيها وبطروا النعمة وتكبروا وطلبوا ما ليس لهم طلبه ، وقيل المعنى : لو جعلهم سواء في الرزق لما انقاد بعضهم لبعض ولتعطلت الصنائع . والأول أولى . والظاهر عموم أنواع الرزق ، وقيل هو المطر خاصة ( ولكن ينزل بقدر ما يشاء ) أي ينزل من الرزق لعباده بتقدير على حسب مشيئته وما تقتضيه حكمته البالغة ( إنه بعباده خبير ) بأحوالهم ( بصير ) بما يصلحهم من توسيع الرزق وتضييقه ، فيقدر لكل أحد منهم ما يصلحه ويكفه عن الفساد بالبغي في الأرض ( وهو الذين ينزل الغيث ) أي المطر الذي هو أنفع أنواع الرزق وأعمها فائدة وأكثرها مصلحة ( من بعد ما قنطوا ) ) أي من بعد ما أيسوا عن ذلك فيعرفون بهذا الإنزال للمطر بعد القنوط مقدار رحمته لهم ، ويشكرون له ما يجب الشكر عليه ( وهو الولي ) للصالحين من عباده بالإحسان إليهم وجلب المنافع لهم ، ودفع الشرور عنهم ( الحميد ) المستحق للحمد منهم على إنعامه خصوصا وعموما .