وكيف تكون مراتب السلطة حينئذ ، إذ تكون الآية قد فرضت طاعة
العمال ممن دون مرتبة الإمام ، بينما قد فرغت يدنا من نص في الكتاب
يفرض طاعة ما للإمام ، بملاحظة أن أصحاب هذه الدعوى ذاتهم يتأولون
النصوص القرآنية الأخرى في الإمامة ليخرجوها عن دلالتها على الولاية
العامة ( كنص الولاية ) ، الأمر الذي يظهر الخلل في هذا المستوى من الفهم
للنصوص ، ذلك لأن في سيرة العقلاء وعرف المشرعين لا يمكن للشريعة
التي تعد لبناء دولة أن تشرع طاعة عمال السلطان ، بينما تهمل تشريع
ولايته ، فهذا من بدع الأمثال ، وهو نقص في الأفعال ، تنزه عنه الشارع
الأقدس ذو الحكمة والكمال . لذلك اضطر القائلون به أن يضيفوا في
مضمون أولي الأمر إلى جانب عمال النبي ( صلى الله عليه وآله ) من يأتي
بعده من أولياء الأمور ، فخلط هذا الفهم بين ولي أمر الأمة وبين عماله ،
وجعل ولاية الجميع على قدم المساواة ، مما لا يمكن قبوله بأبسط قواعد
المنطق ، فطاعة عماله من سنخ آخر ، لأنها نسبية محدودة بما يوكل إليه
الولي من مهام ، ويبقى المحكوم فيها مالكا لزمام أمره في الحيز ذي صلة ،
بحيث لو خرج العامل عن طاعة الإمام أو عن حدود وظيفته أو حدود
المصلحة أو الشريعة ، وجب على المكلف عدم طاعته والعودة إلى مصدر
شرعيته أي الإمام ، لذلك ومن حيث المبدأ ، لم تكن هذه العلاقة بحاجة
إلى فريضة ربانية توجبها ، بل مثل هذه الفريضة لو وجدت تكبل الناس في
حال شذوذ العامل عن جادة الصواب ، بل هي تعطي قدسية لا ضرورة
لها ، يمكن أن يسئ استخدامها ليفرض على الناس ولاء لا مصلحة فيه ،
ولو كان جدلا من حاجة إلى تشريع من هذا القبيل ، لوجب بنص آخر
الإمامة تلك الحقيقة القرآنية — صفحة 74
مساهمون: زهير بيطار
ص٧٤