هذا الادعاء يمثل سطحية غريبة في التعامل مع النصوص الإلهية ، إذ
أن فريضة بحجم هذه الطاعة التي أو جبها النص لا يكون مثلها إلا لولي
أمر الأمة ، ولا ريب أن كل من تعامل مع هذا النص قد فهم منه طاعة
الولاية العامة ، مما جعل فقهاء الجمهور يحرمون القيام على أولي الأمر ولو
كانوا فاسقين أو ظلمة ، بل اعتبروا من يقوم عليهم الأبغياء ولو كانوا من
أهل العدالة ، وسنعود إلى ذلك لاحقا خلال البحث ، وهكذا يظهر أن
حجم هذه الفريضة يفوق كثيرا الحجم الوظيفي الموكل إلى عمال النبي
( صلى الله عليه وآله ) ، أو عمال الولي بعده ، لجهة الصلاحية والمسؤولية ،
هذه المهام التي تستدعي خضوع الناس لها من قبيل الجري مع الضرورات
الواقعية التي تفرضها طبيعة العلاقات في المجتمع ، مثلها في ذلك كمثيلاتها
في أي مجتمع إنساني له دولة وحكومة ، وهي تنطبق على كل موظفي
الدولة من أكبرهم إلى أصغرهم ، حتى الحاجب في دائرة حكومية ، أو
الحارس على مؤسسة ذات طابع عام ، فلا حاجة إلى جعل هذه العلاقة
فريضة إلهية ، ولا أن تعطى طاعة بحجم الولاية ، بينما هي تستمد شرعيتها
من السلطة العليا التي هي ما تشرع له الشرائع في العادة ، والتي بتشريعها
يستمد منها كل ما دونها شرعيته في مراتب الحاكمية .
إن ضرورة بناء الدولة تقتضي تشريع نظام الحاكمية فيها ، ولا يمكن
تشريع الطاعة لعمال الدولة مع إهمال تشريع طاعة السلطة العليا فيها ، فلو
لم تكن هذه الآية تحدثنا عن الولاية العامة لأولي الأمر كما أسلفنا ، بل
كانت تعني عمال النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فماذا يكون الوضع بعده ،
الإمامة تلك الحقيقة القرآنية — صفحة 73
مساهمون: زهير بيطار
ص٧٣