بظروفها الواقعية ، مع ضرورة الإمام إلى يوم الدين ، تستدعي الإمام الذي
علم الناس بولادته ورأوه ، فالإمام المهدي ( عج ) قد علم مولده وتناقل
الناس خبره ، ونعموا ببركات اتصالهم به خلال فترة الغيبة الصغرى ، بما
كانوا يوجهون إليه من أسئلة عبر سفرائه ، ويتلقون إجاباتها ، وبما يطلبونه
منه من الدعاء فيجدون قبول الله تعالى ، وبما كان يصل المحتاجين منه من
العطايا ، وبما كان يبتدئ به شيعته من التوجيه في الشدائد على مستوى
الأفراد والجماعة ، وبما كانوا يلمسون من الكرامات له من إخبار لهم
بالغيب ، فلم يختلف الحال على الشيعة عما كان عليه قبل ذلك مع آبائه
الطاهرين ( عليهم السلام ) ، فاطمأنت نفوسهم . وتناقل الناس خبره ، فكان
انتقال خبر وجوده وغيابه وكراماته من جيل إلى جيل ، انتقالا لأمر قد
عاينوه ، لا سيما أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته ( عليهم السلام )
من بعده قد بشروا به وبغيبته قبل ولادته ، حتى كان سلاطين العباسيين
يترقبون الولد لأبيه لكي يقتلوه حال ولادته ، لعلمهم بما كان يحدث به
المسلمون من أن المهدي الذي يملأ الأرض قسطا ، ويقوض دعائم الظالمين
هو الإمام الثاني عشر من آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فكان هذا
الإخبار بالغيبة قبل حدوثها ، من دلائل صدق النبي ( صلى الله عليه وآله )
والأئمة ( عليهم السلام ) من بعده إضافة إلى أن كون الأئمة اثنا عشر بعد
النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، كان مما أثبته صحاح عموم المسلمين قبل
اكتمال هذه العدة ( أنظر مثلا مسند أحمد وكتاب سليم بي قيس ) ، فكان
هذا من النبي ( صلى الله عليه وآله ) والأئمة ( عليهم السلام ) مرة ثانية دليل
صدقه وصدقهم ، بل دليل تنصيب إلهي على لسان الرسول ( صلى الله عليه
الإمامة تلك الحقيقة القرآنية — صفحة 41
مساهمون: زهير بيطار
ص٤١