وهي أن الله يصطفيهم لعلمه بقابلياتهم وبشأنهم في الأمثلية ، بالمقاييس
الربانية لا بالمنظور البشري ، والله وحده يعلم حقائق الأمور وبواطنها ،
بينما للبشر الظاهر ، والواقع يملي حقائق لا يمكن تجاهلها ، فبعض الناس قد
يبلغ شأنا عاليا في العلم ، وبعضهم في التقوى ، وآخرون في الزهد ، وغيرهم
في الصبر أو في نكران الذات والجهوزية للتضحية في سبيل الحق وغير
ذلك ، ومن كان في الدرجات العليا من إحدى الفضائل قد يكون مقصرا
في سواها ، بينما الصفوة الأمثل هم الذين لا يضاهون فيما بلغوه من
الأمثلية في كل بعد من الأبعاد الضرورية لحمل الرسالة ومسؤولياتها ، تبعا
لما تمليه حاجة هذه الوظيفة في مراحل الرسالة المتعددة ، فهؤلاء لا يعلم
حقائقهم إلا الخالق عز وجل .
ولقد اصطفى تعالى الذين شاء من عباده منذ بداية الخلق لعلمه بما
سيكون من شأنهم وقابلياتهم ، فأخبرنا أنه اصطفى الأنبياء والرسل
والأوصياء ، وأنه اصطفى ذريات من الناس * ( إن الله اصطفى آدم ونوحا
وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ( 33 ) ذرية بعضهم من بعض
والله سميع عليم ( 34 ) ) * ( 1 ) ، فذلك الاصطفاء متحقق وراهن ، ومثله قوله
تعالى * ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) * فيخبرنا أن هذين
التوريث والاصطفاء ناجزان في قضاء الله ، كائنان في الحقبة القرآنية ، وأن
هناك من العباد المصطفين في هذه الحقبة من قضى الله في أن يرثوا
الكتاب . ومن جهة ثانية فإن التفسير الموضوعي لآيات الكتاب يقضي أن
هامش
( 1 ) سورة آل عمران .