مكانا ممن لم يعمل بها إذا لم تبلغه * ( يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت
من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ) * وهل من كان جاهلا ، لم يحدث نفعا
لخلق الله بل ربما أضر بجهله ولو عن غير قصد ، أيشفع له الشهادتان أقر
بهما دون فهم لأبعادهما فيكون بهذه الحال صفوة على أحد أساطين العلم
الذي قدم النفع العميم للناس وآمن بوحدانية الله بفطرته وعلمه ، وحسن
خلقه وسلم الناس من يده ولسانه ، ولم يحمل غلا على الذين آمنوا ، وربما
أنه لم يسمع بالإسلام أو صده عن التقصي ما رآه من سوء الأمثولة في
مثل أولئك الذين حملوا اسمه وخالفوا حقيقته ؟ ولئن كان الثاني خارج
الاصطفاء لأنه يفتقر إلى مقدماته التي أولها التلبس بالإيمان عقلا ووجدانا
وسلوكا فالأول كذلك خارجه لافتقاره إلى مثل ذلك وأكثر .
وهكذا يبدو جليا أن قوله تعالى * ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا
من عبادنا ) * لا يعني جميع أمة محمد ( صلى الله عليه وآله ) على ما فيها من
تلك النماذج قديما وحديثا ، من جهلة وفساق وظلمة ومفسدين ومن
يصح وصف دينهم بلعق اللسان ، فمثل هؤلاء لا يكونون من الأمثل في
الخلق ، وهم خارج الاصطفاء بلا ريب ، فلا يبقى من مدلول معقول إلا
أن يكون الاصطفاء للصفوة الأمثل من العباد . على أن تتمة الآية تعطي
مزيدا من الوضوح من قوله تعالى * ( فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد
ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله . . ) * فالضمير في * ( فمنهم ) * عائد إلى
عبادنا ، لا إلى الذين اصطفينا ، إذ هي الأقرب ، ولا يكون الرد إلى الأبعد
ما لم يكن من مسوغ بدليل خارجي أو لزوم بلاغي ، على أن ظلم النفس
الإمامة تلك الحقيقة القرآنية — صفحة 300
مساهمون: زهير بيطار
ص٣٠٠