لا تتوقف على هذا التخصيص ، بل المدلول يستقيم دون حاجة إليه ، وهو
بعموم معنى الظلم أبلغ ، وأقوى في الدلالة على حرمة الأكل بالباطل .
فالنص القرآني الذي نحن بصدده ، قد حرم ولاية اليهود والنصارى مطلقة
في صدر الكلام ، ثم ذم في ذيله الذين يوادونهم أو يستنصرونهم وأنكر
عليهم ذلك ، فيكون هذا الفعل حراما لأنه وجه من الولاية ولأنه فعل
يستنبطها ، بل هذا الفهم أبلغ أثرا وأظهر بيانا بما يثبته من خطر مودتهم
والاستنصار بهم ، فيما يقود إليه من إعطائهم اليد والسبيل على المؤمنين ،
وبما يظهر من العلة في التحريم .
وهكذا نجد أن أسباب النزول لا تفيد في تخصيص معنى الولاية في
( أولياء ) ما دام أن الكلام قد جاء بهذا اللفظ الذي يحمل مضمونا عاما
للولاية ، لا خاصا بأي معنى ثانوي من مدلوله ، وما دام أن النص يستقيم
بالأصل الشامل للمعنى ولا يتوقف على تخصيصه . ومما يؤكد هذا دلائل
في النص ذاته . فالله تعالى يقول * ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) * فلو لم
تكن الولاية التي حرمها صدر الكلام هي جوهر الولاية الذي ذكرناه ،
بجعل اليد والسبيل لأهل الكتاب على المؤمنين وإعطائهم القياد والولاء ، لما
أضحى من يتولاهم منهم ، أي مرتدا عن الدين ، كما يؤكده بعد آيتين
قوله تعالى * ( . . من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم
ويحبونه . . ) * فهذا تحذير لهم من الردة وتهديد لهم إن فعلوا ، فما كانت
ولاية الكافرين ردة لو لم تكن بالمفهوم الذي ذكرناه .
الإمامة تلك الحقيقة القرآنية — صفحة 262
مساهمون: زهير بيطار
ص٢٦٢