على هذا لا يكون للحديث مدخل في هذا الموضع لم يرده مورد آخر في غير هذا الموطن ويكون الإيمان به إلى غير هذا المعنى المذكور في السبب الحادث ، وإثباته في غير موطن ذلك السبب المنقول مما يعز ويعسر ، فليبق المسبب على حاله ولينظر في وجه الحديث غير هذا مما يحتمل ويحسن الاحتجاج به في هذا الموطن والوجه الآخر : أن يكون الضمير الذي في صورته عائدا إلى الله سبحانه ، ويكون معنى الحديث ، أن الله خلق آدم على صورته ، هي إلى الله سبحانه ، وهذا العبد المضروب على صورة آدم ، فإذا هذا العبد المضروب على الصورة المضافة إلى الله تعالى ، ثم ينحصر بيان معنى الحديث ، ويتوقف على بيان معنى هذه الإضافة ، وعلى أي جهة يحمل في الاعتقاد العلمي على الله سبحانه ففيها وجهان أحدهما : أن إضافته إضافة ملك إلى الله تعالى كما يضاف إليه العبد والبيت والناقة ، واليمين على أحد الأوجه .
والوجه الآخر : أن تكون إضافة تخصيص به تعالى ، فمن حملها على إضافة الملك له رأى أن المراد بصورته هو العالم الأكبر بجملته ، وآدم مخلوق على مضاهاة صورة العالم الأكبر لكنه مختصر صغير ، فإن العالم إذا فصلت أجزاؤه بالعلم ، وفصلت أجزاء آدم عليه السلام بمثله وجدت أجزاء آدم عليه السلام مشابهة للعالم الأكبر ، وإذا شابهت أجزاء جملة أجزاء حملة فالجملتان بلا شك متشابهتان ، فالذي نظر في تحليل صورة العالم الأكبر فقسمه على أنحاء من القسمة ، وقسم آدم عليه السلام ، كذلك فوجد كل نحوين منهما شبيهين ، فمن ذلك أن العالم ينقسم إلى قسمين ، أحد القسمين : ظاهر محسوس كعالم الملك ، والثاني : باطن معقول كعالم الملكوت ، والإنسان كذلك ينقسم إلى ظاهر محسوس ، كالعظم واللحم والدم وسائر أنواع الجواهر المحسوسة ، وإلى باطن ، كالروح والعقل والعلم والإرادة والقدرة وأشباه ذلك وقسم آخر : وذلك أن العالم قد انقسم بالعوالم إلى عالم الملك : وهو الظاهر للحواس ، وإلى عالم الملكوت : وهو الباطن في العقول ، وإلى عالم الجبروت :
وهو المتوسط الذي أخذ بطرف من كل عالم منها ، والإنسان كذلك انقسم
إحياء علوم الدين — صفحة 56
مساهمون: الغزالي
ص٥٦