تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
الأشعري ، إذ سمعه يترنم بالقرءان « لقد أعطي مزمارا من مزامير آل داود » ومزامير آل داود قد عدمت وذهبت ، وإنما شبه صوته بها ، وكما إذا سمع المريد صوت مزمار ، أو عود فجأة على غير قصد ، يتخيل صرير أبواب الجنة وشبهها ، بما فجأ صوته من ذلك فهذه مراتب الوجود ، فأنت إذا أحسنت التصرف بين أساليبها ، ولم يعترك غلط في بعضها ببعض ، ولا اشتبهت عليك ، وسمعت عمن نظر بمشكاة نور الله تعالى إلى كاغد ، وقد رآه أسود وجهه بالحبر ، فقال له ما بال وجهك وقد كان أبيض أشقر مونقا ، والآن قد ظهر فيه السواد ، فلم سوّدت وجهك ؟ فقال : سل الحبر فإنه كان مجموعا في المحبرة التي هي مستقره ووطنه ، فسافر عن الوطن ، ونزل بساحة وجهي ظلما وعدوانا ، فقال : صدقت ، ثم أنت إذا سمعت أمثال هذه المراجعات اعمل الفكر ، وجدد النظر ، وحل الكلام إلى أجزائه التي ينتظم منها جملة ما بلغك ، فسأل عن معنى الناظر ، ومعنى المشكاة ومعنى نور الله سبحانه ، وما سبب أنه لم يعرف الناظر الكتابة والمكتوب ، وبأي لسان خاطب الكاغد ، وكيف مخاطبة الكاغد ، وهو ليس من أهل النطق ، وفيما صدق الناطق الكاغد ، ولم صدقه بمجرد قوله دون دليل ولا شاهد ، فيبدو لك هاهنا من الناظر هو ناظر القلب ، فيما أورده عليه الحس ، والمشكاة استعارة من مشكاة الزجاجة ، التي أعمرت بسراج النار إلى خير المعرفة الملقب بسر القلب ، شبيها بها ، لأنها مسرجة الرب سبحانه وتعالى شعلها بنوره ، ونوره المذكور هاهنا عبارة عن صفاء الباطن ، واشتعال السر بطلوع نيران كواكب المعارف الذاهبة بإذن الله تعالى ، ظلم جهالات القلوب ، ووجه إضافته إلى الله تعالى على سبيل الإشارة بالذكر لأجل التخصيص بالشرف ، والكاغد والحبر كناية عن أنفسهما لا عن غيرهما ، وجعلهما مبدأ طريقه ، وأول سلوكه . إذ هما في عالم الملك والشهادة الذي محل جولة الناظر في حال نظره ، وأما سبب أنه لم يعرف الكتابة والمكتوب فلأجل أنه كان أميا لا يقرأ الكتاب الصناعي ، وإنما يروم معرفة قراءة الخط الإلهي ، الذي هو أبين وأدل على الفهم منه ، وأما مخاطبة الناظر الكاغد وهو جماد ، فسبق الكلام على مثله ، ومراجعة الكاغد له ، فعلى قدر حال الناظر إن كان مرادا فيلقى الكلام في الحس