تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
على الجملة ، إذ النبوة لا يعرفها بالحقيقة إلا نبي . فإن انكشف ذلك لقلب أحد بطل العلم في حقه بارتفاع المحنة له ، بالأمر المتوجه عليه بطلبه ، والبحث عنه ، والتفكر فيه ، فيكون كالنبي إذا سئل عن شيء لو وقعت له واقعة لم يحتج إلى النظر فيها ، ولا إلى البحث عنها ، بل ينتظر ما عود من كشف الحقائق بإخبار ملك ، أو ضرب مثل ، يفهم عنه أو اطلاع على اللوح المحفوظ ، أو إلقاء في روع ، فيعود مخترعاته ولم يعلم مقدار الدنيا وترتيب الآخرة عليها ، ولا عرف خواصها ، ولا تنزه في عجائبها ، ولا لاحظ الملكوت ببصر قلبه ، ولا جاوز التخوم إلى أسفل من ذلك بسره ولبّه ، ولا فهم أن الجنة أعلى النعيم ، وأن النار أقصى العذاب الأليم ، وأن النظر إليه منتهى الكرامات ، وأن رضاه وسخطه غاية الدرجات والدركات ، وأن منح المعارف والعلوم أسنى الهبات ، ويرى أن العالم بأسره أخرجه من العدم الذي هو نفي محض إلى الوجود الذي هو إثبات صحيح ، وقدره منازل وجعله لميقات ، فمن حي وميت ، ومتحرك وساكن ، وعالم وجاهل ، وشقي وسعيد ، وقريب وبعيد ، وصغير وكبير ، وجليل وحقير ، وغني وفقير ، ومأمور وأمير ، ومؤمن وكافر ، وجاحد وشاكر ، وذكر وأنثى ، وأرض وسماء ، ودنيا وأخرى ، وغير ذلك مما لا يحصى ، والكل قائم به موجود بقدرته ، وباق بعلمه ، ومنته إلى أجله ، ومصرف بمشيئته ، وذلك على بالغ حكمته ، فما أكمل جبل من لا يجديه إلا قدماه ، ولا من يصرفه إلا استبداده ، ولا ملكه إلا ملكه فيعود المحدث قديما ، والمربوب ربا ، والمملوك مالكا ، فيعود الخلق من خلق الله كهو ، تعالى الله عن جهل الجاهلين ، وتخييل المعتوهين ، وزيغ الزائغين فصل وأما حكم هذه العلوم المكتوبة في الطلب وسلوك هذه المقامات ، ورفق هذه الدرجات ، واستفهام هذه المخاطبات ، أهي من قبيل الواجبات أو المندوبات أو المباحات فاعلم أن المسؤول عنه على ضربين ، أحدهما : ما هو في حكم المبادئ ، والثاني : في حكم الغايات ، فأما الذي هو في حكم المبادئ فطلبه فرض على كل أحد ، بقدر بذل المجهود ، وإفراغ الوسع ، وجميع ما يقدر عليه من العبادة . وذلك ما تضمنه أصول علم المعاملة . مثل