تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
استروح الضعيف إلى ما يسمع من ذلك ، فيتعطل وينخرم حاله ، وينحل قيده ، وبعد هذا فلا يحمل كلام سهل إلا على ما يقدر لا على ما يوجد ، ولذلك جعله مقرونا بحرف لو ، الدال على امتناع الشيء ، لامتناع غيره ، كما يقال : لو كان للإنسان جناحان لطار ، ولو كان للسماء درج لصعد عليها ، ولو كان البشر ملكا لفقد الشهوات ، فعلى هذا يخرج كلام سهل في ظاهر العلم . فصل وأما خطاب العقلاء للجمادات فغير مستنكر فقديما ندب الناس الديار ، وسألوا الأطلال واستخبروا الآثار وقد جاء في أشعار العرب وكلامها من ذلك كثير وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم « أسكن أحد فإنّما عليك نبيّ وصدّيق وشهيدان » وقال بعضهم : اسأل الأرض تخبرك عمن شق أنهارها ، وفجر بحارها ، وفتق أهواءها ، ورتق أجواءها وأرسى جبالها ، إن لم تجبك أجابتك اعتبارا ، وإنما الذي يتوقف على الأذهان ويتحير في قوله السامعون ، وتتعجب منه العقول ، هو كيفية كلام الجمادات والحيوانات الصامتات ، ففي هذا وقع الإنكار ، إذ اضطرب النظار ، وكذب في تصحيح وجوده والسمع من الاعتبار ، ولكن لتعلم أن تلقى الكلام للعقلاء ، ممن لم يعقل عنه في المشهود يكون على جهات ، من ذلك سماع الكلام الذاتي ، كما تتلقى من أهل النطق إذا قصدوا إلى نظم اللفظ ، وذلك أكثر ما يكون للأنبياء والرسل صلوات الله عليهم في بعض الأوقات ، كحنين الجذع للنبي صلى الله عليه وسلم ، وكان حجر يسلم عليه في طريقه قبل مبعثه ومنها تلقى الكلام في حسن السامع من غير أن يكون له وجود من خارج الحس . ويعترى هذا سائر الحواس ، كمثل ما يسمع النائم في منامه ، من مثال شخص من غير مثال والمثال المرئي للنائم ليس له وجود في سمعه ، وأما ما يجده غير النائم في اليقظة فمنها خاصة وعامة ، فقد ورد أن الحجر في زمن عيسى ينادى المسلم يا مسلم خلفي يهودي فاقتله ، وان لم يخلق الله تعالى للحجر حياه ونطقا ، ويذهب عنه معنى الحجرية ، أو يوكل بالحجر من يتكلم عنه ممن يستر عن الأبصار في العادة من الملائكة والجن ، أو يكون كلام يخلقه الله