قبل خلقه عن أن يخرجه من العدم إلى الوجود يقع تحت الاختيار الممكن ، من حيث إن الفاعل المختار له أن يفعل فإذا فعل فليس في الإمكان أن يفعل إلا نهاية ما تقتضيه الحكمة التي عرفنا أنها حكمة ، ولم يعرفنا بذلك إلا لنعلم مجاري أفعاله ، ومصادر أموره ، وأن نتحقق أن كل ما اقتضاه ويقضيه من خلقه ، بعلمه ، وإرادته ، وقدرته أن ذلك على غاية الحكمة ، ونهاية الاتقان ، ومبلغ جودة الصنع ، ليجعل كمال ما خلق دليلا قاطعا ، وبرهانا على كماله في صفات جلاله الموجبة لإجلاله فلو كان ما خلق ناقصا بالإضافة إلى غيره ما قدر على خلقه ، ولو لم يخلق لكان يظهر النقصان المدعى على هذا الوجود من خلقه ، كما يظهر على ما خلقه على غير ذلك ، ويكون الجميع من باب الاستدلال على ما صنع من النقصان قطعا ، وما يحمل عليه من القدرة على أكمل منه ظنا ، إذ خلق للخلق عقولا وجعل لهم فهو ما ، وعرفهم ما أكن ، وكشف لهم ما حجب وأجن ، فيكون من حيث عرفهم بكماله دلهم على نقصه ، ومن حيث أعلمهم بقدرته بصرهم بعجزه ، فتعالى الله رب العالمين ، الملك الحق المبين .
وأيضا فلا يعترض هنا ويتزر به ، إلا من لا يعرف مخلوقاته ، ولم يصرف الكلام الصحيح في مشابه ذلك أصلا في العلم ، أو كان نسخا له ومعنى نقيس عليه غيره ، وأما انكشافه بخير ممن رزق علم ذلك كان بطلان العلم في حق المخبر ، إذ أفشاه لغير أهله ، وأهداه لمن لا يستحقه ، كما روي عن عيسى على نبينا وعليه السلام ، لا تعلقوا الدر في عناق الخنازير ، وإنما أراد قطاع العلم غير أهله ، وقد جاء لا تمنعوا الحكمة أهلها ، فتظلموهم ، ولا تضعوها عند غير أهلها فتظلموها .
وأما سر العلم الذي يوجب كشفه بطلان الأحكام ، فإن كان كشفه من الله سبحانه لقلوب ضعيفة بطلت الأحكام ، في حقها لمن يطلع عليه في ذلك السر من معرفة مآل الأشياء ، وعواقب الخلق ، وكشف أسرار العباد ، وما يظن من مقدور ، فمن عرف نفسه مثلا أنه من أهل الجنة لم يصلّ ، ولم يصم ، ولم يتعب نفسه في خير ، وكذلك لو انكشف له أنه من أهل النار ، كمل انهماكه فلا يحتاج إلى تعب زائد ، ولا تصيبه مكابدة ، فلو عرف كل واحد عاقبته ومآله بطلت الأحكام الجارية عليه ، وإن كان كشفها من مخبر
إحياء علوم الدين — صفحة 50
مساهمون: الغزالي
ص٥٠