المتأول ويلهو المعاند ، هذا والقول بتخصيص العموم أظهر من الجراءة وأشهر مما نقل الكافة ويحتمل أن يكون المراد في الآية بالرسول المذكور فيها ملك الوحي ، الذي بواسطته تنجلي العلوم وتنكشف الغيوب ، فمتى لم يرسل الله ملكا بإعلام غيب ، أو يخاطب مشافهة أو إلقاء معنى في روع ، أو ضرب مثل في يقظة أو منام ، لم يكن إلى علم ذلك الغيب سبيل ، ويكون تقدير الآية ، فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول أن يرسله إلى من يشاء من عباده في يقظة أو منام ، فإنه يطلع على ذلك أيضا ، ويكون فائدة الإخبار بهذا في الآية ، الامتنان على من رزقه الله تعالى علم شيء من مكنوناته وإعلامه أنه لا تصل إليها نفسه ، ولا مخلوق سواه إلا باللَّه تعالى ، حين أرسل إليه الملك بذلك ، وبعثه الله حتى يتبرأ المؤمن من حوله ومن حول كل مخلوق وقوّته ، ويرجع إلى الله تعالى وحده ، ويتحقق على أنه لا يرد عليه شيء من علم ، أو معرفة ، أو غير ذلك إلا بإرادته ومشيئته ، ويحتمل وجه آخر ، وهو أن يكون معناه والله أعلم ، فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى ، يريد من سائر خلقه ، وأصناف عباده ، ويكون معنى من رسول أي عن يد رسول من الملائكة
فصل ومعنى ولا يتخطى رقاب الصديقين
إن قلت : ما الذي أوصله إلى مقامهم ، أو جاوز به ذلك ، وهو في المرتبة الثالثة حال المقربين ما وصل حيث ظننت ، فكيف يجاوزه ؟ وإنما خاصية من هو في رتبة الصديقين عدم السؤال ، لكثرة التحقق بالأحوال ، وخاصية من هو في رتبة القرب كثرة السؤال ، طمعا في بلوغ الآمال ، ومثالهما فيما أشير إليه مثال إنسانين دخلا في بستان ، أحدهما : يعرف جميع أنواع نبات البستان ، ويتحقق أنواع تلك الثمار ، ويعلم أسماءها ومنافعها ، فهو لا يسأل عن شيء مما يراه ، ولا يحتاج إلى أن يخبر به ، والثاني لا يعرف مما رأى شيئا ، أو يعرف بعضا ويجهل أكثر مما يعرف ، فهو يسأل ليصل إلى علم الباقي ، وذلك من تكلمنا عليه حين أكثر السؤال عما يبعد عنه حاله ويتخلف عن مقامه إلى ما هو أعلى منه ، وكان غير مراد لذلك إما في ذلك الوقت أو الأبد
إحياء علوم الدين — صفحة 48
مساهمون: الغزالي
ص٤٨